«دخل المصحة مرتين، وفي الآخر رجع تاني. خلاص مفيش فايدة». جملة نسمعها من أسر منهكة، ولها كل الحق في التعب. لكن حين نجلس مع هذه الأسر ونراجع ما حدث، نجد غالبًا أن المشكلة لم تكن في المريض وحده، بل في خطة علاج كانت تنقصها حلقات مهمة. ومعرفة أسباب فشل علاج الإدمان هي أول خطوة لكي لا تتكرر.
هل يفشل علاج الإدمان فعلًا؟
يقول المعهد الوطني الأمريكي لأبحاث تعاطي المخدرات إن معدلات الانتكاس في الإدمان تشبه معدلاتها في أمراض مزمنة أخرى كالسكري وارتفاع الضغط والربو، مستندًا إلى مراجعة نشرتها مجلة JAMA عام ٢٠٠٠ قارنت الإدمان بهذه الأمراض في الوراثة والأسباب والالتزام بالعلاج. ويضيف أن الانتكاس لا يعني فشل العلاج، بل يعني الحاجة إلى استئنافه أو تعديله أو تجربة علاج آخر.
فمريض الضغط الذي يرتفع ضغطه حين يتوقف عن الدواء لا نقول إن علاجه فشل، بل نعيد ضبط الخطة. والفكرة نفسها تنطبق على الإدمان. أما الانتكاسة بتفاصيلها وعلاماتها فلها دليل مستقل في الانتكاسة في الإدمان.
أسباب فشل علاج الإدمان باختصار
سحب السموم يزيل المادة من الجسم، لكنه لا يعالج الإدمان نفسه.
الخروج بعد أسابيع قليلة قبل أن تُبنى مهارات التعافي.
اكتئاب أو قلق أو اضطراب مزاج لم يُشخص ولم يُعالج.
انقطاع مفاجئ عن الدعم في أصعب أشهر التعافي.
نفس الأصدقاء والأماكن والضغوط والأموال المتاحة.
مراكز بلا ترخيص أو بلا أطباء، أو بلا برنامج حقيقي.

السبب الأول: الاكتفاء بسحب السموم
المبدأ العاشر في مبادئ علاج الإدمان التي نشرها المعهد الوطني لأبحاث تعاطي المخدرات ينص على أن سحب السموم بإشراف طبي هو «المرحلة الأولى فقط»، وأنه وحده لا يغير كثيرًا في التعاطي على المدى الطويل. فهو يخفف الأعراض الجسدية للانسحاب بأمان، لكنه لا يعالج الاشتياق، ولا الأسباب التي قادت للتعاطي، ولا المهارات اللازمة لمقاومة العودة.
ولهذا فالأسرة التي تقول «اتعالج أسبوع وطلع» غالبًا ما تقصد أنه أتم سحب السموم، لا العلاج كله.
السبب الثاني: الخروج من العلاج مبكرًا
تذكر مبادئ المعهد أن أغلب المرضى يحتاجون ٣ أشهر على الأقل من العلاج لتقليل التعاطي أو إيقافه بوضوح، وأن المشاركة في برامج الإقامة أو العلاج الخارجي لأقل من ٩٠ يومًا محدودة الفاعلية، وأن ترك العلاج مبكرًا من أكبر المشكلات التي تواجه البرامج. ولا يعني ذلك أن كل مريض يحتاج إقامة ٩٠ يومًا، بل أن الرحلة العلاجية كلها، بمراحلها المختلفة، تحتاج وقتًا كافيًا.
السبب الثالث: إهمال المرض النفسي المصاحب
ينص المبدأ التاسع على أن كثيرًا من مرضى الإدمان لديهم اضطرابات نفسية أخرى، وأن من يأتي بمشكلة منهما ينبغي أن يُفحص للأخرى، وأن يُعالجا معًا. فالشاب الذي كان يهدئ قلقه بالحشيش، أو يهرب من اكتئابه بالترامادول، سيعود للمادة نفسها إذا عاد القلق أو الاكتئاب دون علاج. وهذا ما يسمى التشخيص المزدوج.
السبب الرابع: غياب المتابعة بعد الخروج
تصف مبادئ المعهد الإدمان بأنه اضطراب مزمن تتخلله انتكاسات، ولذلك فالعلاج القصير لمرة واحدة لا يكفي عادة، ويحتاج كثيرون متابعة طويلة. والأشهر الأولى بعد الخروج هي الأصعب، ففيها يواجه المريض حياته الحقيقية بمحفزاتها. وتجد كيف تُبنى هذه المرحلة في برنامج المتابعة ومنع الانتكاس.
السبب الخامس: العودة إلى البيئة نفسها
- الأصدقاء أنفسهم وأرقام الهاتف نفسها.
- المال المتاح دون ضوابط في الأسابيع الأولى.
- خلافات أسرية لم تُحل، أو لوم مستمر.
- ضغوط العمل أو البطالة دون خطة.
ويذكر المعهد أن الضغوط والإشارات المرتبطة بالتعاطي، كالأشخاص والأماكن وحتى الروائح، قد تثير اشتياقًا شديدًا دون أن ينتبه الشخص لما أثاره. ولهذا يشمل العلاج الجيد الأسرة، كما في برنامج علاج الأسرة.
السبب السادس: مكان علاج غير مناسب
بعض الأماكن تقدم «حجزًا» لا علاجًا: لا أطباء نفسيين، ولا خطة مكتوبة، ولا علاج للأمراض المصاحبة، وأحيانًا عنف وتقييد. وهذه التجارب لا تفشل فقط، بل تترك أثرًا نفسيًا يجعل المريض يرفض أي علاج لاحق. والمعايير التي تميز المكان الآمن في دليل كيف تختار مصحة علاج إدمان.
السبب السابع: هل يفشل العلاج إذا دخل المريض مرغمًا؟
ليس بالضرورة. فالمبدأ الحادي عشر في مبادئ المعهد ينص على أن العلاج لا يشترط أن يكون طوعيًا ليكون فعالًا، وأن ضغوط الأسرة أو العمل قد تزيد دخول العلاج والاستمرار فيه والنتائج النهائية. لكن الدافع يحتاج أن يُبنى أثناء العلاج بالمقابلة التحفيزية والعلاقة العلاجية، لا أن يُفترض أو يُفرض بالقسوة.
ماذا تفعل بعد محاولة علاج لم تنجح؟
- لا تبدأ من الصفر؛ راجع ما حدث: متى بدأ التراجع، وما الذي سبقه؟
- اسأل: هل عولج مرض نفسي مصاحب؟ وهل كانت هناك متابعة؟
- ناقش مع الطبيب مستوى العلاج المناسب الآن: إقامة أطول، أو علاج خارجي مكثف، أو دواء يمنع الانتكاس.
- أشرك الأسرة في الخطة الجديدة، مع حدود واضحة ودعم حقيقي.
وفي إرادة نبدأ مع كل مريض سبق علاجه بمراجعة المحاولات السابقة، لأن ما لم ينجح فيها يحدد ما نحتاج إضافته الآن.