«اتنين صحاب جربوا نفس الحاجة في نفس الليلة، واحد نسيها والتاني ما قدرش يبطل». هذا السؤال المحير هو جوهر البحث في أسباب الإدمان: لماذا تمر التجربة على شخص بلا أثر، بينما تتحول عند آخر إلى مرض يبتلع حياته؟
ما هي أسباب الإدمان باختصار؟
يؤكد المعهد الأمريكي لأبحاث تعاطي المخدرات أنه لا يوجد عامل واحد يحدد من سيصاب بالإدمان. فهناك عوامل خطر ترفع الاحتمال، وعوامل حماية تخفضه، وكلما تجمعت عوامل الخطر زاد احتمال أن يقود التعاطي إلى الإدمان. ويمكن تلخيص أهم الأسباب في ست مجموعات:
تاريخ الإدمان في العائلة يرفع الاستعداد البيولوجي.
استجابة دائرة المكافأة للمادة تختلف من شخص لآخر.
الاكتئاب والقلق والصدمات وفرط الحركة تزيد الخطر.
الإساءة والإهمال وغياب الرقابة والخلافات الأسرية.
أصدقاء يتعاطون، وسهولة الحصول على المادة.
البدء المبكر، والتدخين أو الحقن بدل البلع.

كيف تبدأ أسباب الإدمان داخل المخ؟
المواد المسببة للإدمان تطلق الدوبامين في دائرة المكافأة بقوة تفوق المتع الطبيعية، فيتعلم المخ أن هذه المادة «مهمة للبقاء». ومع التكرار يقل إحساسه بالمتعة العادية، وتضعف مناطق الحكم وضبط الاندفاع، وتصبح الرغبة أقوى من الإرادة. لكن هذه الآلية واحدة عند الجميع، والفرق بين الناس هو قوة الاستجابة وسرعة التكيف، وهنا تدخل الجينات والتجارب والبيئة.
هل الإدمان وراثي؟
الإجابة الأدق: الاستعداد للإدمان يُورث جزئيًا، لكن الإدمان نفسه لا يُورث. فبحسب المعهد الأمريكي لأبحاث تعاطي المخدرات، تفسر الجينات، مع تأثير البيئة على عمل هذه الجينات، ما بين ٤٠٪ و٦٠٪ من قابلية الشخص للإدمان. وتشير مراجعة علمية نُشرت عام ٢٠١٢ إلى أن دراسات التوائم قدّرت نسبة الوراثة بين ٠٫٣٩ للمهلوسات و٠٫٧٢ للكوكايين، وأن الإدمان في النهاية نتاج تفاعل الجينات مع البيئة.
معنى ذلك أن ابن الأب المدمن ليس «محكومًا» بالإدمان، لكنه يحتاج حذرًا أكبر: تأخير أي تجربة، والانتباه لعلامات القلق والاكتئاب مبكرًا، وعدم الاستهانة بـ«المرة الواحدة». ومعرفة التاريخ العائلي تفيد الطبيب أيضًا في تقييم المريض.
الأمراض النفسية كسبب من أسباب الإدمان
كثير من الناس يبدؤون التعاطي محاولةً لتهدئة ألم نفسي: قلق لا يهدأ، أو اكتئاب، أو ذكريات صادمة، أو أرق. وقد يخفف المخدر هذا الألم مؤقتًا، ثم يزيده سوءًا ويضيف إليه الإدمان. ويذكر المعهد الأمريكي أن المصابين باضطرابات نفسية أكثر عرضة للتعاطي والإدمان. ومن أشهر الأمثلة اضطراب ما بعد الصدمة وفرط الحركة وتشتت الانتباه والاكتئاب. ولهذا يحتاج هؤلاء علاجًا للحالتين معًا ضمن التشخيص المزدوج.
صدمات الطفولة والبيئة الأسرية
في دراسة «التجارب السلبية في الطفولة» التي شملت أكثر من ٨٦٠٠ بالغ ونُشرت عام ٢٠٠٣، ارتبطت كل تجربة سلبية، مثل الإساءة أو الإهمال أو وجود مدمن أو مريض نفسي في البيت، بزيادة احتمال البدء المبكر في التعاطي من ضعفين إلى أربعة أضعاف. ومن مرّ بخمس تجارب أو أكثر كان أكثر عرضة لمشكلات التعاطي والإدمان بسبعة إلى عشرة أضعاف مقارنة بمن لم يمر بأي منها.
ويضيف المعهد الأمريكي عوامل أسرية أخرى: ضعف رقابة الوالدين، وتعاطي أحد الوالدين أو إخوة أكبر، والخلافات المستمرة. وفي المقابل، تحمي العلاقة الدافئة والمتابعة الهادئة والقواعد الواضحة.
سن البداية وطريقة التعاطي
- البدء المبكر: في دراسة أمريكية كبيرة نُشرت عام ١٩٩٨، انخفض احتمال إساءة استخدام المخدرات والاعتماد عليها بنحو ٤٪ إلى ٥٪ مع كل سنة يتأخر فيها أول تعاطٍ، ويرتبط ذلك بأن المخ، بحسب المعهد الأمريكي للصحة النفسية، لا يكتمل نضجه قبل منتصف العشرينات أو أواخرها.
- طريقة التعاطي: يوضح المعهد الأمريكي أن التدخين والحقن يرفعان قابلية المادة للإدمان، لأنهما يوصلانها إلى المخ خلال ثوانٍ.
- نوع المادة: بعض المواد تسبب اعتمادًا أسرع، مثل الأفيونات والشابو.
هل الإدمان اختيار أم مرض؟
التجربة الأولى غالبًا قرار، لكن ما يحدث بعدها ليس قرارًا خالصًا. فمع التكرار تتغير دوائر المخ بطريقة تجعل التوقف صعبًا حتى مع الرغبة الصادقة فيه. وفهم أسباب الإدمان لا يعفي الشخص من المسؤولية، لكن اللوم وحده لا يعالج، والعلاج يجب أن يتعامل مع الأسباب: الجسد والنفس والأسرة معًا.
ماذا تفعل إذا اجتمعت عوامل الخطر لديك أو عند من تحب؟
إذا كان في عائلتك تاريخ مع الإدمان، أو تعاني قلقًا أو اكتئابًا، فلا تنتظر أن تتحول التجربة إلى مشكلة. علاج المرض النفسي مبكرًا وقاية حقيقية. وإذا بدأ التعاطي بالفعل، فتقييم الطبيب النفسي يحدد ما إذا كان العلاج الخارجي يكفي أو يحتاج الأمر إقامة علاجية. وفي إرادة الاستشارة الأولى مجانية وسرية.
٦الأصدقاء والمجتمع وسهولة الحصول على المادة
في المراهقة وبداية الشباب يكون تأثير الأصدقاء قويًا، وكثيرًا ما تكون أول تجربة في جلسة مع أصدقاء. وتزيد الخطر أيضًا: سهولة الحصول على المادة، والنظرة المتساهلة لها مثل «الحشيش مش مخدر»، والفقر والبطالة، وضغوط العمل والسهر. كما يبدأ بعض الإدمان من دواء مسكن أو مهدئ أُخذ أول مرة لسبب طبي ثم استمر دون متابعة.