«لو عايز يبطل كان بطل». هذه أكثر جملة يسمعها المدمن من حوله، وأكثرها ظلمًا له. ففهم ما هو الإدمان علميًا لا يعفي الشخص من المسؤولية، لكنه يفسر لماذا لا تكفي النية وحدها، ولماذا يحتاج كثيرون إلى علاج حقيقي.
ما هو الإدمان؟ التعريف العلمي
تعرّف الجمعية الأمريكية لطب الإدمان الإدمان بأنه مرض طبي مزمن قابل للعلاج، ينشأ من تفاعلات معقدة بين دوائر المخ والجينات والبيئة وتجارب الشخص في الحياة، ويجعل المصاب يتعاطى المواد أو يمارس سلوكيات تصبح قهرية ويستمر فيها رغم العواقب. ويستخدم الأطباء النفسيون مصطلح «اضطراب تعاطي المواد»، ويُشخص بحسب الدليل التشخيصي DSM-5 الذي يصنف شدته، كما يوضح المعهد الوطني الأمريكي لإساءة استخدام الكحول، إلى خفيف عند توفر معيارين أو ثلاثة، ومتوسط عند أربعة أو خمسة، وشديد عند ستة معايير أو أكثر، وما يسميه الناس «إدمانًا» يقابل غالبًا الدرجة الشديدة.
علامات تميز الإدمان عن مجرد التعاطي
- التعاطي بكميات أكبر أو مدة أطول مما كان ينوي الشخص.
- محاولات فاشلة متكررة للتقليل أو التوقف.
- اشتياق ورغبة ملحة تسيطر على التفكير.
- إهمال العمل أو الدراسة أو الأسرة بسبب التعاطي.
- الاستمرار رغم مشكلات صحية أو نفسية أو اجتماعية واضحة.
- الحاجة لكميات أكبر للحصول على الأثر نفسه، وظهور أعراض انسحاب عند التوقف.
وتختلف العلامات التي تراها الأسرة من الخارج، وهي مشروحة في دليل علامات التعاطي.
كيف يغير الإدمان المخ؟
تعمل أغلب المخدرات على نظام المكافأة في المخ، فترفع الدوبامين بقوة تفوق المكافآت الطبيعية مثل الأكل والعلاقات. ومع التكرار يتكيف المخ: تقل حساسية دوائر المكافأة، فيحتاج الشخص للمادة كي يشعر بأنه طبيعي، وتنشط دوائر التوتر عند غيابها، وتضعف القشرة الجبهية المسؤولة عن الحكم واتخاذ القرار وكبح الاندفاع. ويذكر المعهد الوطني لأبحاث تعاطي المخدرات أن صور المخ عند المدمنين تُظهر تغيرات في المناطق المسؤولة عن الحكم واتخاذ القرار والتعلم والذاكرة والتحكم في السلوك.
ويصف الباحثان كوب وفولكو هذه العملية بدائرة من ثلاث مراحل تتكرر: النشوة والإفراط، ثم الانسحاب والمشاعر السلبية حين تغيب المادة، ثم الانشغال والترقب حيث يسيطر التفكير في المادة والاشتياق إليها. ومع كل دورة تصبح الدائرة أعمق.
مراحل الإدمان
لا يحدث الإدمان فجأة، بل يمر غالبًا بمراحل متتابعة. والتقسيم التالي وصفي شائع وليس تصنيفًا تشخيصيًا رسميًا، وقد تختصر بعض المواد مثل الشابو والهيروين هذه المراحل بسرعة كبيرة:
- المرحلة ١التجربة
تعاطٍ بدافع الفضول أو ضغط الأصدقاء أو الهروب من مشكلة، دون نمط ثابت.
- المرحلة ٢التعاطي المنتظم
يدخل التعاطي في الروتين: نهاية الأسبوع، أو مع شلة معينة، أو عند الضغط.
- المرحلة ٣التعاطي الخطر
تظهر العواقب: مشكلات في العمل والبيت، وقيادة تحت التأثير، وكذب لإخفاء الأمر.
- المرحلة ٤الاعتماد
زيادة التحمل وظهور أعراض انسحاب، فيصبح التعاطي لتجنب الألم لا للمتعة.
- المرحلة ٥الإدمان
فقدان التحكم، والاستمرار رغم الضرر الواضح، وتصبح المادة محور الحياة.

لماذا يُعد الإدمان مرضًا؟
يشبه المعهد الوطني لأبحاث تعاطي المخدرات الإدمان بأمراض القلب: كلاهما يعطل الوظيفة الطبيعية لعضو في الجسم، وله أضرار خطيرة، ويمكن الوقاية منه وعلاجه في كثير من الحالات، وقد يستمر مدى الحياة أو يؤدي إلى الوفاة إذا لم يُعالج. ويقدّر المعهد أن الجينات، مع تأثير البيئة عليها، مسؤولة عن ٤٠٪ إلى ٦٠٪ من قابلية الإصابة. كما يذكر أن معدلات الانتكاس في الإدمان تشبه معدلاتها في أمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم والربو، ولهذا يُعالج كمرض مزمن.
هل يقتصر الإدمان على المخدرات؟
يشمل الإدمان المواد مثل الكحول والمخدرات والأدوية المسيئة الاستخدام مثل الترامادول والبريجابالين، كما تذكر الجمعية الأمريكية لطب الإدمان أن الإدمان قد يشمل سلوكيات تصبح قهرية، وهو ما يشرحه قسم الإدمان السلوكي. ويجتمع الإدمان كثيرًا مع أمراض نفسية مثل الاكتئاب والقلق، وهو ما يسمى التشخيص المزدوج.
متى تطلب المساعدة؟
إذا ظهرت علامتان أو أكثر من العلامات السابقة، أو حاولت التوقف وفشلت، أو ظهرت أعراض انسحاب، فهذا وقت التقييم لا الانتظار. وبعض أنواع الانسحاب، مثل الكحول والمهدئات، قد تكون خطيرة وتحتاج سحب سموم تحت إشراف طبي. ويشرح دليل علاج الإدمان المراحل والبرامج، وفي إرادة تبدأ الرحلة باستشارة أولى مجانية وسرية.