«بقالي ٨ شهور نضيف، وفجأة وأنا معدي من الشارع القديم حسيت إني محتاجه حالًا». هذا ما يسميه الأطباء الرغبة الملحة في المخدرات، وما يسميه الشارع أحيانًا «الخرمان». وهي من أكثر ما يخيف المتعافين، لأنها تأتي دون استئذان وفي أوقات لا يتوقعونها.
ما هي الرغبة الملحة في المخدرات؟
الاشتياق رغبة قوية في استخدام المادة، تأتي مصحوبة غالبًا بأفكار متكررة عنها، وتوتر في الجسم، وأحيانًا أعراض تشبه الانسحاب. وقد أوصت لجنة الدليل التشخيصي الأمريكي الخامس، في ورقة نشرها ديبورا هاسين وزملاؤها عام ٢٠١٣، بإضافة الاشتياق إلى معايير تشخيص اضطرابات تعاطي المواد، اعترافًا بمكانته في المرض.
ويختلف الاشتياق عن أعراض الانسحاب: فالانسحاب يحدث في الأيام أو الأسابيع الأولى بعد التوقف ثم يهدأ، أما الاشتياق فقد يعود بعد شهور وسنوات حين يواجه الشخص محفزًا قديمًا.
لماذا تحدث الرغبة الملحة في المخدرات؟
يشرح المعهد الوطني الأمريكي لأبحاث تعاطي المخدرات أن المخدرات تسبب طفرات كبيرة من الدوبامين تقوّي الربط بين تعاطي المادة والمتعة وكل الإشارات الخارجية المرتبطة بالتجربة. وهذه الطفرات «تعلّم» الدماغ أن يطلب المادة على حساب أهداف أخرى أصح.
ويضيف أن الإشارات في الروتين اليومي أو البيئة التي ارتبطت بالتعاطي قد تثير اشتياقًا لا يمكن السيطرة عليه كلما تعرض لها الشخص، حتى لو لم تكن المادة متاحة، وأن هذا «المنعكس المتعلَّم» قد يستمر طويلًا حتى لدى من لم يتعاطوا منذ سنوات. وتذكر مبادئ المعهد أن الضغوط والإشارات قد تثير اشتياقًا شديدًا دون أن ينتبه الشخص أصلًا لما أثاره.
ما الذي يثير الاشتياق للمخدرات؟
أصدقاء التعاطي، أو حتى رقم في الهاتف أو اسم في مكالمة.
الشارع القديم، أو القهوة، أو الغرفة التي كان يتعاطى فيها.
الحزن والغضب والوحدة والملل، وأحيانًا الفرح والاحتفال.
خلاف في البيت، أو ضغط في العمل، أو مشكلة مالية مفاجئة.
المال في الجيب، أو ورق لف، أو أغنية، أو مشهد في فيلم.
التعب وقلة النوم والجوع، وهي حالات تضعف المقاومة.

كم يستمر الاشتياق؟
يصف المعالجون الاشتياق بأنه يأتي على هيئة موجة: يبدأ ويرتفع ويبلغ ذروته ثم يهبط، خاصة إذا لم يستجب له الشخص ولم يظل يغذيه بالتفكير. والمدة تختلف من شخص لآخر ومن موقف لآخر. أما على المدى الطويل فتقل شدته وتكراره مع استمرار التوقف وتعلم المهارات، لكنه قد يعود في لحظات ضعف بعد سنوات، وهذا لا يعني أن التعافي انهار.
كيف تتعامل مع الرغبة الملحة في المخدرات؟
- سمّها: قل لنفسك «هذا اشتياق، وسيمر». التسمية تخلق مسافة بينك وبين الفكرة.
- أجّل: لا تقرر الآن. أعطِ نفسك وقتًا محددًا قبل أي فعل، وغالبًا تهبط الموجة قبله.
- اخرج من المكان: غيّر المكان أو النشاط فورًا، فالمحفز في المكان نفسه.
- اتصل: بشخص في خطة التعافي، أو بمعالجك، أو بزميل في مجموعة الدعم.
- تنفس وراقب: لاحظ الإحساس في جسمك دون أن تحاربه أو تطيعه، كمن يراقب موجة.
- تذكر النهاية: لا تتذكر أول ساعة من التعاطي فقط، بل اليوم التالي وما بعده.
ولهذه الأساليب أصل علمي؛ ففي تجربة عشوائية نشرتها مجلة JAMA Psychiatry عام ٢٠١٤، قلل كل من برنامج منع الانتكاس المعرفي السلوكي وبرنامج منع الانتكاس القائم على اليقظة الذهنية خطر العودة للتعاطي والشرب الثقيل مقارنة بالرعاية المعتادة، وتفوق برنامج اليقظة الذهنية في تقليل أيام التعاطي بعد ١٢ شهرًا. ويرى الباحثون أن هذه الممارسات تقوي القدرة على مراقبة الانزعاج المصاحب للاشتياق والتعامل معه بمهارة.
هل توجد أدوية تقلل الاشتياق؟
لبعض المواد نعم. فأدوية علاج إدمان الأفيونات مثل الميثادون والبوبرينورفين تخفف الاشتياق والانسحاب، والنالتريكسون يُستخدم في الكحول والأفيونات. أما المنشطات والحشيش فلا يوجد لها حتى الآن دواء معتمد بحسب المعهد الوطني لأبحاث تعاطي المخدرات، ويعتمد علاجها على العلاج السلوكي. والطبيب وحده يحدد الدواء المناسب، وتجد التفاصيل في أدوية علاج الإدمان.
متى يصبح الاشتياق علامة خطر؟
وتشرح صفحة الانتكاسة مراحل الانتكاس وعلاماته المبكرة، بينما تساعدك خطة المتابعة ومنع الانتكاس على الاستعداد للمحفزات قبل وقوعها.
كيف تساعد الأسرة متعافيًا يمر بالاشتياق؟
- لا تعتبر حديثه عن الاشتياق اعترافًا بالذنب، بل علامة ثقة تستحق التقدير.
- ساعده على تجنب الأماكن والأشخاص المرتبطين بالتعاطي في الأشهر الأولى.
- لا تراقبه كمتهم، بل اسأله: ما الذي يساعدك الآن؟
- شجعه على حضور المتابعة ومجموعات الدعم.