«بيحلف إنها آخر مرة، وبعد يومين يرجع كأنه ما قالش حاجة». من أصعب ما تعيشه الأسرة أن ترى ابنها أو زوجها يتصرف ضد مصلحته بوضوح، ثم يدافع عن تصرفه بحماس. ولكي تتحدث معه بطريقة تصل إليه، تحتاج أن تفهم كيف يفكر المدمن من الداخل، لا كيف تتمنى أنت أن يفكر.
كيف يفكر المدمن بدماغ تغيرت أولوياته؟
تشرح المعاهد الوطنية الأمريكية لتعاطي المخدرات NIDA أن قرار التعاطي في البداية يكون غالبًا اختياريًا، لكن مع الاستمرار تضعف القدرة على ضبط النفس ضعفًا شديدًا، وهذا الضعف هو السمة الأساسية للإدمان. وتشمل التغيرات ثلاث دوائر رئيسية في الدماغ:
- العقد القاعدية: دائرة المكافأة وتكوين العادات، وتفقد حساسيتها للمتع الطبيعية فيصبح الاستمتاع بغير المادة صعبًا.
- اللوزة الممتدة: مسؤولة عن القلق والتوتر وعدم الارتياح، وتزداد حساسيتها فيتعاطى ليهرب من الضيق لا ليشعر بالنشوة.
- القشرة الجبهية: مركز التخطيط واتخاذ القرار وكبح الاندفاع، ويضعف دورها أمام الدائرتين السابقتين.
وتؤكد مراجعة نشرتها مجلة New England Journal of Medicine عام ٢٠١٦ أن هذه التغيرات تفسر لماذا يستمر التعاطي رغم إدراك ضرره، ولماذا يبقى خطر الانتكاس قائمًا بعد التوقف. وتفصيل دور نظام المكافأة في صفحة الدوبامين والإدمان.
لماذا ينكر المدمن رغم وضوح المشكلة؟
تبدأ مراجعة نشرتها مجلة Trends in Cognitive Sciences عام ٢٠٠٩ بملاحظة أن أكثر من ٨٠٪ من المدمنين لا يطلبون العلاج، وتطرح تفسيرًا مهمًا: ما يبدو «إنكارًا» متعمدًا قد يعكس جزئيًا خللًا في شبكات الدماغ المسؤولة عن البصيرة والوعي بالذات. أي أن المدمن قد لا يرى حجم المشكلة كما تراها أنت، لا لأنه يكذب دائمًا، بل لأن أداة الرؤية نفسها تأثرت.
لهذا لا يفيد غالبًا أن تثبت له بالأدلة أنه مدمن. الأنفع أن تتحدث عن وقائع محددة رأيتها، وعن أثرها عليك، وأن تتركه يصل بنفسه إلى الاستنتاج.
تفكير المدمن: اللحظة الحاضرة تغلب المستقبل
يقيس علماء النفس ما يسمونه «خصم التأجيل»، أي ميل الشخص لاختيار مكافأة صغيرة الآن بدل مكافأة أكبر لاحقًا. وقد جمع تحليل نشرته مجلة Psychopharmacology عام ٢٠١١ نتائج ٤٦ دراسة، ووجد أن هذا الميل أقوى بوضوح لدى من لديهم سلوك إدماني، خاصة من تنطبق عليهم معايير اضطراب الإدمان. لذلك تبدو له عبارة «هتخسر شغلك بعد سنة» بعيدة وباهتة، بينما الرغبة الآن حاضرة وقوية.
دائرة الأفكار من المحفز إلى الندم
- ١المحفز
ضيق أو خلاف أو مكان أو صديق أو مال في اليد يوقظ الذكرى.
- ٢الرغبة الملحة
تسيطر الفكرة على الذهن ويصبح التفكير في غيرها صعبًا.
- ٣التبرير
«مرة واحدة مش هتفرق»، «أنا مضغوط وأستاهل»، «أنا مسيطر».
- ٤التعاطي والراحة المؤقتة
يخف التوتر قليلًا، ويتعلم الدماغ أن المادة هي الحل.
- ٥الندم والخجل
يعود الإحساس بالذنب والخوف، فيبحث عن مهرب منه، وتبدأ الدائرة.

والرغبة الملحة وما يثيرها ودور الضغوط في الانتكاس نشرحها في دليل الانتكاسة في الإدمان.
هل المدمن كذاب بطبعه؟
الكذب في الإدمان غالبًا وسيلة لحماية التعاطي ولتجنب الخجل والعقاب، لا صفة ثابتة في الشخصية. ومع التوقف والعلاج يتراجع كثيرًا. هذا لا يعني أن تصدّق كل شيء أو تتجاهل الأفعال، بل أن تعتمد على السلوك لا على الكلام، وأن تبني الثقة تدريجيًا بأفعال قابلة للملاحظة.
ماذا يشعر المدمن تجاه أسرته؟
كثير من المدمنين يحبون أسرهم فعلًا، ويعيشون صراعًا بين هذا الحب والرغبة في المادة. ويغلب على كثيرين الخجل والإحساس بأنهم عبء، وهذه المشاعر قد تدفعهم للعزلة أو للتعاطي أكثر. لذلك فالنقد الجارح والإهانة يغذيان الدائرة، بينما الحزم الهادئ مع الاحترام يفتح بابًا للكلام. وإذا ظهرت علامات اكتئاب أو حديث عن الموت فهذه حالة تحتاج تقييمًا عاجلًا، ونشرح العلاقة بينهما في صفحة التشخيص المزدوج.
كيف تتحدث مع المدمن بطريقة تصل إليه؟
- تحدث وهو في وعيه، في وقت هادئ، لا وقت الأزمة.
- صف موقفًا محددًا وأثره عليك، بدل الأحكام العامة مثل «إنت فاشل».
- اسأله عما يريده هو لحياته، واربط العلاج بأهدافه لا بأهدافك.
- كافئ أي خطوة صغيرة نحو العلاج، ولا تكافئ التعاطي بالمال أو التغطية.
- ضع حدودًا واضحة ونفذها بهدوء دون تهديد لا تنفذه.
وهذه المبادئ هي أساس أسلوب CRAFT الذي نشرحه في دليل كيف تقنع المدمن بالعلاج.
هل يعود تفكير المدمن طبيعيًا بعد العلاج؟
تذكر NIDA أن بعض تغيرات الدماغ قد تستمر وقتًا طويلًا بعد التوقف، وهذا يفسر استمرار خطر الانتكاس. لكن الدماغ قادر على التعافي تدريجيًا، ويساعد العلاج النفسي المدمن على ملاحظة أفكاره التبريرية والتعامل مع الرغبة بدل الاستسلام لها. وفي إرادة يبدأ ذلك بتقييم مجاني وسري، ثم العلاج الداخلي للرجال أو العلاج الخارجي حسب الحالة، مع العلاج المعرفي السلوكي الذي يستهدف هذه الأفكار مباشرة.