«كل مرة أحس إني فاشل بقعد في البيت، وكل ما أقعد أكتر أحس إني فاشل أكتر». هذه الجملة تلخص ما يعالجه العلاج المعرفي السلوكي: دائرة تتغذى فيها الأفكار والمشاعر والأفعال على بعضها. والفكرة الأساسية بسيطة، لكن تطبيقها يحتاج تدريبًا ومعالجًا مؤهلًا.
ما هو العلاج المعرفي السلوكي؟
العلاج المعرفي السلوكي، ويُكتب اختصارًا CBT ويسميه بعضهم «العلاج السلوكي المعرفي»، نوع من العلاج بالحوار يقوم على أن طريقة تفسيرنا للمواقف تؤثر في مشاعرنا وتصرفاتنا، وأن بعض هذه التفسيرات تلقائية ومشوهة دون أن ننتبه. فلا يحاول المعالج إقناعك بالتفكير الإيجابي، بل يعلمك أن تفحص الفكرة كما يفحص الطبيب عرضًا: ما الدليل عليها؟ وما التفسير البديل؟ وما الذي يحدث لو تصرفت بطريقة مختلفة؟
ويختلف عن العلاجات التي تركز على استكشاف الطفولة سنوات طويلة، فهو يتعامل أساسًا مع المشكلات الحالية، وله أهداف واضحة متفق عليها، ويُقاس التقدم فيه خطوة بخطوة.
كيف يعمل العلاج المعرفي السلوكي؟
يشرح المعالج للمريض أن المعاناة غالبًا لا تأتي من الموقف وحده، بل من دائرة متكررة يمكن رسمها على ورقة:
- ١الموقف
حدث عادي: رسالة لم يُرد عليها، أو نظرة من مديرك، أو جلسة مع أصدقاء التعاطي القدامى.
- ٢الفكرة التلقائية
تفسير سريع وغير مختبر: «أكيد زعلان مني»، «أنا مش هقدر»، «سيجارة واحدة مش هتفرق».
- ٣الشعور والجسد
قلق أو حزن أو اشتياق، مع خفقان أو توتر أو أرق.
- ٤السلوك
تجنب، أو انعزال، أو تعاطٍ، أو تأجيل، يريح مؤقتًا.
- ٥النتيجة
الراحة المؤقتة تثبت الفكرة الأصلية، فتعود الدائرة أقوى في المرة القادمة.

والجانب «المعرفي» يعمل على حلقة الفكرة، والجانب «السلوكي» يعمل على حلقة الفعل، مثل التعرض التدريجي للمواقف المخيفة أو جدولة أنشطة ممتعة للمكتئب. وتغيير أي حلقة يضعف الدائرة كلها.
ما الحالات التي يعالجها؟
بحسب هيئة الخدمات الصحية البريطانية، يُوصى بالعلاج المعرفي السلوكي لحالات منها الاكتئاب، والقلق بأنواعه بما فيها الرهاب الاجتماعي والوسواس القهري، واضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات الأكل، وكجزء من علاج ثنائي القطب واضطرابات الشخصية، كما يساعد في مشكلات النوم والألم المزمن ومشكلات الكحول والمخدرات. وقد راجعت دراسة منشورة عام ٢٠١٢ مئات التحليلات الإحصائية، فوجدت أن أقوى الأدلة على فعاليته تخص اضطرابات القلق والضغط النفسي ومشكلات الغضب والشره المرضي.
العلاج المعرفي السلوكي في علاج الإدمان
في علاج الإدمان يتعلم المريض أن يرسم خريطته الشخصية: ما المواقف والأشخاص والمشاعر التي تسبق التعاطي؟ ثم يتدرب على مهارات محددة: رفض العرض، والتعامل مع الاشتياق حتى يمر، وحل المشكلات بدل الهروب منها، وكشف الأفكار التي تبرر «المرة الواحدة». وقد حللت دراسة نُشرت عام ٢٠٠٩ نتائج ٥٣ تجربة عشوائية على بالغين يعانون من إدمان الكحول أو المخدرات، فوجدت أثرًا إيجابيًا صغيرًا لكنه ثابت، وكان أوضح ما يكون مع الحشيش، ويقل تدريجيًا مع مرور الشهور. ولهذا يُستخدم مع علاجات أخرى لا وحده، ويُعد جزءًا أساسيًا من خطط منع الانتكاسة.
ماذا يحدث داخل جلسة العلاج المعرفي السلوكي؟
تبدأ الرحلة بتقييم يحدد فيه المعالج المشكلة والأهداف. وفي الجلسة المعتادة يُراجع ما حدث منذ الجلسة السابقة، ثم يُختار موقف صعب حدث فعلًا ويُحلل: ماذا فكرت؟ وماذا شعرت؟ وماذا فعلت؟ ثم يُتفق على تجربة أو مهمة صغيرة قبل الجلسة القادمة. وتؤكد NHS أن التدريب بين الجلسات ضروري كي يعمل العلاج، وقد يُطلب منك تسجيل تقدمك في دفتر أو نموذج.
أشهر أدوات العلاج المعرفي السلوكي
كتابة الموقف والفكرة والشعور، ثم البحث عن دليل مع وضد.
اختبار الفكرة في الواقع بدل الجدال معها في الرأس.
جدولة أنشطة ممتعة ومفيدة لكسر خمول الاكتئاب.
مواجهة المواقف المخيفة خطوة بخطوة دون هروب.
مهارات لمرور موجة الرغبة في التعاطي دون الاستسلام لها.
تقسيم المشكلة الكبيرة إلى خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ.
هل يناسب العلاج المعرفي السلوكي الجميع؟
يحتاج العلاج إلى مشاركة نشطة واستعداد للتجربة، وقد يكون صعبًا في البداية لأنه يطلب مواجهة ما يخيفك. وهو لا يناسب وحده من يعاني ذهانًا حادًا أو أزمة انتحارية حادة قبل الاستقرار. وفي حالات تقلب المشاعر الشديد وإيذاء النفس قد يفضل الطبيب العلاج الجدلي السلوكي، وهو نسخة مطورة منه. كما يمكن تقديمه فرديًا أو داخل مجموعة.
متى تبدأ ومن أين؟
إذا كانت الأعراض تعطل عملك أو علاقاتك أو نومك لأكثر من أسبوعين، أو كان التعاطي يعود كلما تعرضت لضغط، فهذه إشارة لطلب تقييم. وفي إرادة يُستخدم العلاج المعرفي السلوكي ضمن العلاج بالإقامة والعلاج الخارجي، ويُدمج مع العلاج الدوائي حين يجتمع الإدمان بمرض نفسي في التشخيص المزدوج.