«من ساعة ما تعب وإحنا مش عارفين نتكلم معاه إزاي، لو سكتنا نحس إننا مقصرين، ولو اتكلمنا يتعصب». هذه حيرة آلاف الأسر في مصر. وهذا الدليل لا يخص مرضًا بعينه، بل يجمع ما يصلح مع أغلب الاضطرابات النفسية الشديدة داخل البيت، من الاكتئاب والهوس إلى الذهان.
من أين تبدأ في التعامل مع المريض النفسي؟
تقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو شخص من كل ٧ في العالم، أي ١٫٢ مليار إنسان، كانوا يعيشون مع اضطراب نفسي في عام ٢٠٢٣، وأن أغلبهم لا يحصلون على رعاية فعالة، وكثيرون يواجهون الوصمة والتمييز. أي أن ما تمر به أسرتك ليس استثناءً ولا عارًا. والخطوة الأولى أن تفهم المرض: اطلب من الطبيب شرح التشخيص وما يمكن توقعه، واقرأ عن الحالة في مصادر موثوقة، مثل دليل الأمراض النفسية. فكثير من السلوك الذي يبدو عنادًا أو كسلًا أو «قلة أدب» هو عرض في المرض.
كيف تتحدث مع المريض النفسي دون صدام؟
تنصح NHS من يساند شخصًا يمر بأزمة نفسية بأن يخبره بقلقه عليه، وأن يتعامل معه بشكل طبيعي لا يشعره بالعزلة، وأن يستمع إليه بأسئلة مفتوحة تبدأ بـ«إزاي» و«إيه»، دون أن يجبره على الكلام أو العلاج. وعمليًا:
- اختر وقتًا هادئًا، لا لحظة غضب أو بعد خلاف.
- تكلم عن مشاعرك أنت وعن سلوك محدد: «قلقت لما ما نمتش ٣ ليالي»، لا «إنت بقيت مجنون».
- استمع أكثر مما تتكلم، ولا تقاطعه لتصحيح ما يقول.
- لا تجادله في الأفكار الغريبة ولا توافق عليها، بل تحدث عن الخوف أو الضيق الذي يشعر به.
- تجنب الوعظ واللوم والمقارنة بالآخرين.
الحياة اليومية: روتين ومسؤوليات دون وصاية
البيت الهادئ المنتظم يحمي المريض من الانتكاس. حافظوا على مواعيد ثابتة للنوم والوجبات، وخففوا الضوضاء والمشاحنات، واتركوا له مسؤوليات صغيرة يقدر عليها، كشراء الخبز أو ترتيب غرفته، فهي تعيد إليه الإحساس بالقيمة. وفي الوقت نفسه تجنبوا الحماية الزائدة التي تعامله كطفل، والنقد المتكرر الذي يزيد التوتر ويدفعه إلى الانعزال. وتجد تفصيل ذلك مع مريض الفصام في دليل الفصام.
الأدوية في البيت: دعم لا رقابة
- ساعده على ربط الدواء بعادة يومية، واستخدم علبة أدوية أسبوعية.
- شجعه على إخبار الطبيب بأي آثار جانبية بدل التوقف من نفسه.
- لا تضع الدواء في الطعام سرًا، ولا تغيّر الجرعة، ولا تبدأ أو توقف أي دواء دون طبيب.
- احفظوا كميات الأدوية الكبيرة في مكان آمن إذا مرّ بفترة يأس أو أفكار عن الموت.
- احتفظوا بقائمة محدثة بكل أدويته وما جُرّب سابقًا.
ويتساءل كثيرون عما إذا كانت هذه الأدوية تسبب الإدمان، وتجد الإجابة لكل نوع دواء في صفحة هل الأدوية النفسية تسبب الإدمان؟.
خطة الأزمة: اكتبوها وأنتم في هدوء
يعرض دليل التحالف الوطني الأمريكي للأمراض النفسية NAMI للتعامل مع الأزمات النفسية نماذج لثلاث وثائق تعدها الأسرة مسبقًا: سجل علاجي محمول، وخطة للأزمة، وخطة للانتكاس، حتى تنشغل الأسرة وقت الطوارئ بالمريض لا بالبحث عن المعلومات. وأهم ما تتضمنه الخطة:
العلامات التي سبقت أزماته السابقة، كقلة النوم أو الانعزال أو الكلام المتسارع.
الطبيب المعالج، وأقرب طوارئ، والإسعاف ١٢٣، وخط الدعم النفسي ١٦٣٢٨.
الأدوية الحالية والجرعات كما وصفها الطبيب، وما جُرّب ولم ينجح، والحساسية.
من يتصل، ومن يبقى معه، ومن يرعى الأطفال، ومن يرافقه إلى المستشفى.
ما يهدئه وما يثيره، وما يريد أن يحدث أو لا يحدث في الأزمة كما قاله وهو مستقر.
أين تُحفظ الأدوية والأدوات الحادة، ومتى يُطلب الإسعاف دون تردد.

إذا رفض المريض النفسي العلاج
الرفض شائع، وأحيانًا يكون جزءًا من المرض نفسه حين لا يرى المريض أنه مريض. ابدأوا بالبحث عن شيء يعترف بأنه يضايقه، كالأرق أو التوتر، واقترحوا الطبيب للمساعدة فيه. ويمكن للأسرة أن تزور الطبيب وحدها أولًا، وتجدون أساليب عملية في دليل كيف تقنعه بالعلاج. ولا تخدعوه بأخذه «في مشوار» إلى المستشفى، فالخداع يهدم الثقة التي ستحتاجونها لاحقًا.
متى تحتاج الطوارئ أو دخول المستشفى؟
أما الإقامة في مستشفى للطب النفسي فيقررها الطبيب بعد التقييم، حين لا تكفي المتابعة الخارجية أو يوجد خطر على السلامة. وحين يجتمع الرفض مع خطر جدي، ينظم القانون الدخول غير الإرادي بقرار طبي وبضمانات. وفي إرادة الاستشارة الأولى مجانية وسرية، والإقامة العلاجية للرجال فقط، مع العلاج الخارجي حسب التقييم.
حقوق المريض النفسي في القانون المصري
تنص المادة ٣٦ من قانون رعاية المريض النفسي رقم ٧١ لسنة ٢٠٠٩ على حقوق للمريض الذي يُعالج في المنشآت النفسية، منها:
- تلقي الرعاية في بيئة آمنة ونظيفة، وحظر تقييد حريته على خلاف أحكام القانون.
- معرفة تشخيصه وخطة علاجه، وأن يكون العلاج وفق المعايير الطبية المعترف بها.
- حماية سرية معلوماته وملفه الطبي إلا في حالات محددة يذكرها القانون.
- الحماية من الاستغلال والإيذاء الجسدي والنفسي والمعاملة المهينة.
- التظلم من أي إجراء، ومقابلة محاميه، ورفض العلاج في حالات العلاج الإرادي مع إعلامه بأثر الرفض.
هذا عرض توعوي عام وليس استشارة قانونية.
الوصمة وكلام الناس: كيف تحمي المريض والأسرة؟
كثير من الأسر تخفي المرض خوفًا من الفضيحة أو من أثره على زواج الإخوة، فيتأخر العلاج سنوات. احموا خصوصيته بأن تختاروا معه من يعرف وماذا يعرف، دون أن يتحول الإخفاء إلى منع للعلاج. وتجنبوا الألفاظ الجارحة داخل البيت كـ«مجنون» أو «عنده مس»، واشرحوا للأطفال بلغة بسيطة أن أباهم أو أخاهم مريض ويتعالج كأي مريض.
احمِ نفسك من الإنهاك
يشبّه التحالف الوطني الأمريكي للأمراض النفسية NAMI رعاية النفس بقناع الأكسجين في الطائرة: تضعه لنفسك أولًا لتستطيع مساعدة غيرك. ويذكر أن من يهتم بصحته الجسدية والنفسية يكون أقدر على التعامل مع تقلبات مرض من يرعاه. وانتبه لعلامات الإجهاد كالصداع والأرق وآلام العضلات واضطراب المعدة، فقد تكون بداية احتراق نفسي. تقاسموا المسؤولية، وخذوا فترات راحة، واطلبوا دعمًا لأنفسكم في برنامج الأسرة أو عند معالج نفسي.