لماذا يقع البعض في إدمان الأكل دون غيرهم؟
يحب الجميع الطعام الشهي، ويأكل الجميع بدافع المشاعر أحيانًا، لكن بعض الناس فقط يفقدون السيطرة ويعانون. والفارق لا يرجع إلى «قوة الإرادة» وحدها، بل إلى تفاعل بين المشاعر والجسد والبيئة الغذائية من حولنا.
يمكن تشبيه الأمر بثلاث دوائر: دائرة المشاعر (توتر، حزن، ملل، وحدة)، ودائرة الجسد (نوم، هرمونات، جوع متراكم بسبب تخطي الوجبات)، ودائرة البيئة (أطعمة متاحة دائمًا، إعلانات، عادات أسرية). وكلما اتسعت المنطقة المشتركة بينها زادت احتمالات أن يتحول الأكل العاطفي إلى نمط يصعب كسره.
التوتر والكورتيزول: لماذا نأكل حين نتوتر؟
حين نتعرض للضغط يفرز الجسم هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، التي تهيئ الجسم لمواجهة الخطر. ومع الضغط المزمن يلاحظ كثيرون زيادة في الرغبة في الأطعمة الحلوة والدسمة، لأنها تمنح تهدئة سريعة ومؤقتة.
وتذكر مايو كلينك من أشهر محفزات الأكل العاطفي: ضغوط العمل، والخلافات في العلاقات، والتعب، والقلق المالي، والمخاوف الصحية، إضافة إلى الملل والوحدة. بل إن بعض الناس يفرطون في الأكل مع المشاعر الإيجابية أيضًا، كالاحتفال والمناسبات.
قلة النوم: محفز يُستهان به
النوم غير الكافي من أكثر العوامل التي يغفل عنها الناس. فالسهر والإرهاق يضعفان القدرة على ضبط الاندفاع واتخاذ القرار، وتشير الأبحاث إلى أن قلة النوم ترتبط بتغيرات في الهرمونات المنظمة للجوع والشبع، وبزيادة الرغبة في الأطعمة السريعة عالية المكافأة.
والنتيجة حلقة مألوفة: سهر ثم تعب نهاري، فأكل لرفع الطاقة، ثم أكل ليلي متأخر، ثم نوم أسوأ. ولهذا كثيرًا ما يكون تحسين النوم من أسرع الخطوات أثرًا، وتجد المزيد عن مشكلات النوم في دليل الأرق.
المشاعر الصعبة: الطعام كوسيلة تهدئة
يتعلم كثيرون منذ الطفولة أن الطعام «يطيّب الخاطر»، فيصبح الوسيلة الأسرع للتعامل مع مشاعر لا يعرفون كيف يعبرون عنها:
بحث عن راحة سريعة تملأ الفراغ، وقد يرتبط باكتئاب يحتاج علاجًا.
أكل لملء الوقت أو كسر الرتابة، خاصة أمام الشاشات.
الطعام رفيق متاح لا يرفض ولا يحكم.
تهدئة مؤقتة يعقبها قلق أكبر وذنب.
تفريغ سريع لمشاعر لم يُعبَّر عنها بالكلام.
وترتبط هذه المشاعر أحيانًا باضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق العام وفرط الحركة وتشتت الانتباه بسبب الاندفاعية، وأحيانًا بتجارب صعبة أو صدمات قديمة. وعلاج هذه الحالات نفسها جزء مهم من الحل.
كيف تسهم الأطعمة عالية المعالجة والإعلانات؟
تشير دراسات إلى أن الأطعمة التي ترتبط أكثر من غيرها بالرغبة الملحّة وفقدان السيطرة هي الأطعمة عالية المعالجة التي تجمع بين السكريات أو النشويات المكررة والدهون، وهو مزيج نادر في الطبيعة. وتُصمم هذه المنتجات لتكون شديدة الاستساغة وسريعة الأكل، ولا تمنح شبعًا طويلًا.
| العامل | كيف يؤثر؟ |
|---|---|
| مزيج السكر والدهون | يستثير نظام المكافأة بقوة ويُؤكل بسرعة قبل الإحساس بالشبع |
| الإتاحة الدائمة | الطعام متاح في كل مكان ووقت، فتختفي المسافة بين الرغبة والأكل |
| تطبيقات التوصيل | طلب بلمسة واحدة ليلًا ونهارًا دون مجهود يمنح فرصة للتفكير |
| الإعلانات والعروض | صور وروائح وعروض تثير الرغبة حتى دون جوع، خاصة لدى الأطفال |
| العبوات الكبيرة | تشجع على الأكل المستمر دون انتباه للكمية |
هل الحميات القاسية تزيد المشكلة؟
نعم، وهذه من أهم المفارقات. فالحرمان الشديد وتخطي الوجبات يتركان الجسم جائعًا والعقل منشغلًا بالطعام الممنوع، فتتصاعد الرغبة حتى تنكسر السيطرة في لحظة ما، فيحدث إفراط يعقبه ذنب، ثم قرار بحرمان أشد. وهذه دائرة الحرمان ثم الإفراط من أكثر ما يغذي الإحساس بإدمان الأكل.
ولهذا لا ينصح المختصون بالحميات القاسية كحل لهذه المشكلة، ويركزون بدلًا منها على انتظام الوجبات والتعامل مع المشاعر. وإذا ارتبطت الحميات بانشغال مؤلم بالجسد أو بسلوكيات تعويضية، فهنا يلزم تقييم لاحتمال أحد اضطرابات الأكل.
الأسرة وعادات الطفولة
كثير من علاقتنا بالطعام يتشكل في الطفولة: استخدام الحلوى مكافأة على النجاح أو وسيلة لإسكات البكاء، أو منعها عقابًا، أو إجبار الطفل على إنهاء طبقه رغم شبعه، أو التعليقات المستمرة على الجسد. كل ذلك قد يعلّم الطفل أن الطعام وسيلة للتعامل مع المشاعر لا للغذاء.
ولا نقصد بذلك أن الأسرة «سبب» المشكلة؛ فعاداتها تزيد الخطر أو تقلله. والوجبات العائلية المنتظمة والهادئة، والحديث عن المشاعر، من أقوى عوامل الحماية.
محفزات الأكل العاطفي اليومية
السبب يجعل الشخص أكثر قابلية على المدى البعيد، أما المحفز فهو اللحظة التي تشعل الرغبة. ويفيد تذكر المحفزات الشائعة:
- مشاعر: توتر بعد يوم عمل، خلاف، ملل، وحدة، حزن.
- أوقات: آخر الليل، بعد العودة من العمل أو المدرسة، العطلات.
- أماكن: أمام التلفزيون أو الهاتف، المطبخ، السيارة.
- حالات جسدية: جوع متراكم بعد تخطي وجبة، إرهاق، قلة نوم.
- مواقف اجتماعية: عزومات ومناسبات مع ضغط «كُل كمان».
عوامل الخطر والحماية في إدمان الأكل
| عوامل تزيد الخطر | عوامل تحمي |
|---|---|
| توتر مزمن دون وسائل صحية للتعامل معه | مهارات إدارة التوتر ودعم اجتماعي |
| قلة النوم والسهر | نوم منتظم وكافٍ |
| تخطي الوجبات والحميات القاسية | وجبات منتظمة ومرونة دون حرمان شديد |
| اكتئاب أو قلق دون علاج | علاج مبكر للمشكلات النفسية |
| طعام مكافأة أو عقاب في الطفولة | حديث عن المشاعر ووجبات عائلية هادئة |
| تعليقات جارحة على الجسد | بيئة تقبل الجسد وتركز على الصحة لا المظهر |

فهم الأسباب نصف الطريق، والنصف الآخر خطوات عملية تجدها في صفحة علاج إدمان الأكل.