لماذا يزيد القلق بالليل؟
«طول اليوم ماشي، أول ما أحط راسي على المخدة الدماغ تشتغل: الشغل، الفلوس، الولاد، وأي حاجة ممكن تحصل بكرة». هذه من أكثر الشكاوى شيوعًا في عيادات القلق والأرق. والقلق بالليل ليس وهمًا ولا ضعفًا، بل نمط معروف له أسباب مفهومة وحلول عملية.
في النهار ينشغل العقل بالعمل والناس والمهام، فتتراجع الأفكار المقلقة إلى الخلفية. ومع الهدوء والظلام تختفي المشتتات، فتتقدم الأفكار المؤجلة كلها مرة واحدة. ويزيد التعب في آخر اليوم من صعوبة تهدئتها. ومع تكرار ذلك ليالي متتالية، قد يتعلم الدماغ أن يربط السرير نفسه بالتفكير والتوتر، فيبدأ القلق بمجرد الدخول إلى الغرفة.
ويذكر المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية NIMH أن صعوبة النوم أو الاستمرار فيه من أعراض اضطراب القلق العام، إلى جانب القلق الذي يصعب التحكم فيه، والتوتر العضلي، والإرهاق.
القلق والأرق: أيهما يسبب الآخر؟
في مراجعة منهجية نشرتها مجلة Sleep عام ٢٠١٣، خلص الباحثون إلى أن أفضل الأدلة المتاحة تشير إلى أن الأرق مرتبط بالقلق والاكتئاب في الاتجاهين: القلق يفسد النوم، وقلة النوم ترفع القلق في اليوم التالي. وهكذا تنشأ حلقة مغلقة:
- قلق قبل النوم يؤخر النوم.
- قلة النوم تجعلك أكثر توترًا وأقل قدرة على التحمل في النهار.
- يبدأ القلق من النوم نفسه: «لو ما نمتش هبقى مدمر بكرة».
- هذا القلق الجديد يؤخر النوم أكثر في الليلة التالية.
وتعرّف NHS الأرق الذي يستمر ثلاثة أشهر أو أكثر بأنه أرق طويل الأمد. وإذا وصلت إلى هذه المرحلة فاقرأ دليل الأرق المزمن.
كيف يظهر القلق بالليل؟
- أفكار متلاحقة عن الغد أو أحداث اليوم، وسيناريوهات «ماذا لو» لا تنتهي.
- خفقان أو إحساس بضربات القلب عند الاستلقاء، وشد في الرقبة والكتفين.
- التقلب في السرير ساعة أو أكثر قبل النوم.
- الاستيقاظ في منتصف الليل مع عودة الأفكار فورًا.
- مراقبة الساعة وحساب ساعات النوم المتبقية.
- إرهاق وعصبية وضعف تركيز في الصباح.
وإذا كانت الأفكار نفسها تدور في حلقة لا تتوقف ليلًا ونهارًا، فقد يفيدك دليل التفكير الزائد.
الاستيقاظ برعب: هل هي نوبة هلع ليلية؟
يختلف القلق الذي يمنعك من النوم عن الاستيقاظ المفاجئ من النوم في حالة رعب، مع خفقان وضيق نفس وتعرق وإحساس بالخطر. وتذكر مراجعة نشرتها مجلة Sleep Medicine Reviews عام ٢٠٠٥ أن الهلع الليلي شائع لدى مرضى اضطراب الهلع، إذ أبلغ ٤٤٪ إلى ٧١٪ منهم عن نوبة واحدة على الأقل، وأنه يحدث في مراحل النوم غير الحالمة، ويختلف عن الكوابيس وفزع النوم وانقطاع النفس أثناء النوم.
ويستهدف العلاج المعرفي السلوكي في هذه الحالة التفسير المخيف لأحاسيس الجسم وطريقة التنفس السريع. ويحتاج التمييز إلى طبيب، لأن الاستيقاظ مع اختناق قد يكون أيضًا علامة على انقطاع النفس أثناء النوم، وهو مشكلة طبية تحتاج فحصًا.
ماذا تفعل الليلة لتهدئة القلق بالليل؟
هذه الخطوات تجمع بين نصائح NHS للنوم وتقنيات مستخدمة في العلاج المعرفي السلوكي للقلق:
نصف ساعة في مكان ثابت بعيدًا عن غرفة النوم تكتب فيها مخاوفك وما يمكن فعله.
إذا جاءت فكرة ليلًا اكتبها في سطر وأجّلها لوقت القلق في اليوم التالي.
نشاط هادئ كالقراءة أو حمام دافئ، وغرفة مظلمة وهادئة.
الأخبار ومواقع التواصل قبل النوم تشعل الأفكار وتؤخر النعاس.
تنصح NHS بتجنب الشاي والقهوة والتدخين والكحول قبل النوم بست ساعات على الأقل.
الاستيقاظ والقيام من السرير في الموعد نفسه يوميًا، حتى بعد ليلة سيئة.

وفكرة «وقت القلق» لها أساس بحثي: ففي تجربة صغيرة نشرتها مجلة Behavior Modification عام ٢٠١٣ على ٥٣ مشاركًا كثيري القلق، أدى تخصيص فترة يومية مدتها ٣٠ دقيقة في وقت ومكان محددين للقلق، لمدة أسبوعين، إلى انخفاض أكبر في القلق والأرق مقارنة بالمجموعة الأخرى. ويوضح علاج القلق العام كيف تُستخدم هذه التقنية ضمن العلاج المعرفي السلوكي.
إذا لم تستطع النوم: اخرج من السرير
البقاء في السرير ساعات وأنت تصارع الأفكار يقوّي الربط بين السرير والقلق. والأفضل أن تقوم إلى مكان آخر بإضاءة خافتة، وتفعل شيئًا هادئًا ومملًا قليلًا، ثم تعود حين تشعر بالنعاس. ولا تنظر إلى الساعة كثيرًا، فحساب الساعات الضائعة يرفع التوتر. وتجنب تعويض الليلة السيئة بنوم طويل في النهار، لأنه يؤخر النوم في الليلة التالية.
هل المنومات والمهدئات حل للقلق بالليل؟
تذكر NHS أن الأطباء نادرًا ما يصفون الحبوب المنومة اليوم لعلاج الأرق، لأنها قد تسبب آثارًا جانبية خطيرة واعتمادًا، وأنها لا تعالج الأرق بل قد تساعد على النوم لفترة قصيرة جدًا فقط. وفي مصر يلجأ كثيرون إلى البنزوديازيبينات أو أدوية الحساسية أو الكحول لتهدئة القلق ليلًا، فتتحول المشكلة مع الوقت إلى اعتماد يزيد القلق عند التوقف.
ويشرح دليل الأرق والإدمان كيف تبدأ هذه الحلقة وكيف تُكسر بأمان. ولا تبدأ أي دواء أو توقفه دون طبيب.
متى يحتاج القلق بالليل إلى طبيب؟
- إذا استمر القلق والأرق أكثر من بضعة أسابيع رغم تنظيم العادات.
- إذا صاحبه قلق نهاري مستمر يصعب التحكم فيه في أمور كثيرة.
- إذا تكرر الاستيقاظ برعب وخفقان وضيق نفس.
- إذا صرت تعتمد على مهدئات أو كحول أو حشيش لتنام.
- إذا ظهرت أفكار عن الموت أو أن الحياة صارت لا تُحتمل.
العلاج المعرفي السلوكي فعّال في القلق والأرق معًا، وقد يضيف الطبيب دواءً مناسبًا عند الحاجة. وفي مستشفى إرادة يبدأ الأمر بتقييم يحدد إن كان ما تعانيه قلقًا عامًا أو هلعًا أو أرقًا أو اكتئابًا أو اعتمادًا على مهدئات، ثم خطة عبر العلاج الخارجي أو الإقامة للرجال عند الحاجة. والاستشارة الأولى مجانية وسرية.
نوبة شديدة أو أعراض لا تشبه القلق؟ اطلب المساعدة الآن
- ألم ضاغط في الصدر يمتد إلى الذراع أو الفك، أو ضيق نفس لا يهدأ
- إغماء أو تشوش أو ضعف مفاجئ في جانب من الجسم
- نوبات لا تتوقف رغم مرور الوقت، خاصة لأول مرة
- حديث عن الموت أو أن الحياة صارت «لا تُحتمل»
- لجوء متزايد إلى المهدئات أو الكحول ليلًا للنوم أو للتهدئة
إذا ظهرت أعراض الصدر أو الإغماء أو الضعف المفاجئ لأول مرة فلا تفترض أنها قلق: اتصل بالإسعاف ١٢٣ أو اذهب إلى أقرب طوارئ لاستبعاد سبب عضوي. وإذا تحدث الشخص عن الموت أو إيذاء نفسه فابقَ معه، واستمع بهدوء، وأبعد الأدوية عن متناوله، وتواصل مع خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨ على مدار الساعة.
الإسعاف ١٢٣ خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨