«ابننا مريض نفسي من سنين، ولما اتخانق وضرب جاره قالوا هيتحبس.. هو مش مسؤول عن نفسه؟». سؤال يقلق أسرًا كثيرة، ويُستخدم أحيانًا في الاتجاه المعاكس: «اعمل نفسك مجنون وتطلع منها». والحقيقة القانونية أدق من الاثنين، وهذا ما نشرحه بلغة مبسطة.
هل المريض النفسي مسؤول عن أفعاله؟ القاعدة العامة
تقوم المسؤولية الجنائية على قدرة الإنسان على الإدراك، أي فهم طبيعة ما يفعله، والاختيار، أي القدرة على التحكم في فعله. وأغلب المرضى النفسيين يحتفظون بهاتين القدرتين معظم الوقت، فالمصاب بالاكتئاب أو القلق أو الوسواس يعرف ما يفعل ويختاره. ولهذا فالأصل أن المريض النفسي مسؤول عن أفعاله كغيره، والاستثناء حين يفقد إدراكه أو اختياره وقت الفعل نفسه.
ويتفق هذا مع ما تقوله StatPearls عن الطب النفسي الشرعي: فالمسؤولية الجنائية مفهوم قانوني لا تشخيص طبي، ووجود الذهان وحده ليس ضروريًا ولا كافيًا لإثبات انعدام المسؤولية، بل المهم هل تسبب المرض مباشرة في الفعل أم كان مجرد مصاحب له.
نص المادة ٦٢ من قانون العقوبات المصري
استُبدلت المادة ٦٢ من قانون العقوبات بالقانون رقم ٧١ لسنة ٢٠٠٩ بإصدار قانون رعاية المريض النفسي، ونصها كما نشره موقع برلماني:
ويشير موقع برلماني إلى أن قانون العقوبات الصادر سنة ١٩٣٧ كان يتحدث عن «الجنون أو عاهة العقل»، وأن إضافة «الاضطراب النفسي» نص مستحدث جاء مع قانون ٢٠٠٩.
فقد الإدراك أم نقصه؟ الفرق الذي يغير الحكم
| حالة المتهم وقت الفعل | الأثر القانوني | مثال توضيحي |
|---|---|---|
| اضطراب أفقده الإدراك أو الاختيار | لا يُسأل جنائيًا | نوبة ذهانية حادة يتصرف فيها بناءً على هلاوس تأمره |
| اضطراب أنقص إدراكه أو اختياره | يظل مسؤولًا، وقد تُخفف العقوبة | اكتئاب أو اضطراب شخصية أثّر في حكمه دون أن يفقده |
| مرض نفسي لا علاقة له بالفعل | مسؤول مسؤولية كاملة | مريض قلق مستقر ارتكب فعلًا وهو مدرك تمامًا |
| غيبوبة مخدرات أُخذت بإرادته | لا إعفاء بحسب نص المادة | تعاطٍ إرادي ثم ارتكاب جريمة |
المخدرات والمسؤولية: التعاطي لا يعفي
يقصر نص المادة ٦٢ الإعفاء بسبب غيبوبة المخدرات على من أخذها قهرًا عنه أو دون علم منه. أي أن من تعاطى بإرادته ثم ارتكب جريمة تحت تأثير المادة لا يستفيد من هذا الإعفاء. وهذا مهم لأسر المدمنين: فالإدمان مرض يستحق العلاج، لكنه لا يمحو المسؤولية عن الأفعال. وقد يسبب التعاطي ذهانًا حقيقيًا، وتقدير أثره في كل حالة للمحكمة وخبرائها. والوقاية الحقيقية هي العلاج المبكر، خاصة حين يجتمع التعاطي مع اضطراب نفسي في التشخيص المزدوج.
ماذا يحدث حين يدفع المتهم بالمرض النفسي؟
- الدفعإثارة المرض النفسي
يدفع المتهم أو محاميه بأنه كان يعاني اضطرابًا نفسيًا وقت الجريمة.
- التحقيقتعيين خبير
تقدير الحالة العقلية مسألة موضوعية للمحكمة، وعليها تحقيق الدفع وتعيين خبير للبت فيه إثباتًا أو نفيًا.
- الملاحظةإيداع للفحص
يجوز وضع المتهم تحت الملاحظة في منشأة صحة نفسية حكومية لمدد لا يزيد مجموعها على ٤٥ يومًا.
- المحاكمةإيقاف أو استمرار
إذا ثبت أنه غير قادر على الدفاع عن نفسه بسبب اضطراب طرأ بعد الجريمة توقف المحاكمة حتى يعود إليه رشده.
- الحكمإعفاء أو تخفيف أو عقوبة
إذا بُرئ بسبب اضطراب عقلي يجوز حجزه في منشأة نفسية حتى يُقرر الإفراج عنه بعد التثبت من عودة رشده.

هذه المراحل كما عرضها موقع برلماني نقلًا عن نصوص قانون الإجراءات الجنائية عام ٢٠٢٣، وقد تتغير تفاصيلها الإجرائية مع أي تعديل تشريعي. وفي حكم لمحكمة النقض في الطعن رقم ٢٧١٥٨ لسنة ٨٦ قضائية، عابت المحكمة على حكم رفض الدفع بالمرض النفسي لمجرد خلو الأوراق مما يثبته، لأن إبداء هذا الدفع يتضمن الدعوة إلى تحقيقه، واعتبرت ذلك قصورًا في التسبيب.
دور الطبيب النفسي في هذه القضايا
لا يحكم الطبيب بالبراءة أو الإدانة، بل يقدم رأيًا فنيًا عن حالة المتهم وعلاقتها بالفعل. وتوضح StatPearls أن دور المقيّم الشرعي ليس تقرير المسؤولية القانونية، بل تحليل كيف ترتبط الحالة النفسية بالقدرات التي يسأل عنها القانون وقت الفعل. ولهذا تفيد السجلات الطبية السابقة كثيرًا: تشخيص موثق قبل الواقعة، وأدوية، ودخول مستشفى، ورأي الطبيب المعالج.
نصائح لأسرة المريض النفسي
- احتفظوا بملف طبي منظم: التشخيصات والأدوية وتقارير الدخول وأسماء الأطباء.
- لا تهملوا علامات الانتكاس، فأغلب الأزمات تبدأ بتوقف الدواء أو قلة النوم أو التعاطي.
- إذا تورط قريبكم في واقعة، استعينوا فورًا بمحامٍ مختص وأبلغوه بالتاريخ المرضي.
- تذكروا أن المرض النفسي لا يجعل صاحبه مجرمًا، وأغلب المرضى أكثر عرضة لأن يكونوا ضحايا من أن يكونوا معتدين.
وتجد حقوق المريض داخل المنشآت النفسية وفق قانون رعاية المريض النفسي، وكيفية التعامل معه في البيت، في دليل التعامل مع المريض النفسي. وفي إرادة تبدأ أي متابعة باستشارة مجانية وسرية، وتتوفر الإقامة العلاجية للرجال في مستشفى إرادة للطب النفسي حين يقرر الطبيب ذلك.