«بقى يقفل على نفسه الأوضة طول اليوم، ولما نكلمه يزعق، وساعات نسمعه بيتكلم لوحده». أسر كثيرة تعيش هذا المشهد وتتأرجح بين الغضب والخوف والشفقة. وفهم معنى تصرفات المريض النفسي لا يبرر كل شيء، لكنه يغير طريقة الرد عليها، ويحمي الأسرة من صدامات لا داعي لها.
لماذا تبدو تصرفات المريض النفسي غريبة؟
تعرّف منظمة الصحة العالمية الاضطراب النفسي بأنه خلل ملحوظ في التفكير أو تنظيم المشاعر أو السلوك. أي أن تغير التصرفات جزء من تعريف المرض نفسه، لا شيء منفصل عنه. فالمكتئب لا «يتكاسل» عن قصد، ومريض الذهان لا «يتوهم» ليلفت الانتباه، والمصاب بالوسواس لا يستمتع بتكرار غسل يديه. وحين تنظر إلى السلوك كعرض، يصبح السؤال: ما الذي يمر به من الداخل حتى يتصرف هكذا؟
أشهر تصرفات المريض النفسي وما قد تعنيه
قد يعني اكتئابًا وفقدان طاقة، أو قلقًا اجتماعيًا، أو انسحابًا في بداية الذهان.
قد تكون جزءًا من الاكتئاب أو الهوس أو القلق، أو من انسحاب مادة مخدرة.
قد يعني ضلالات اضطهاد في الذهان، أو بارانويا، أو تأثير منشطات أو حشيش.
قد يكون ردًا على أصوات يسمعها في الهلاوس، وقد يكون عادة عادية لا تدل على مرض.
نوم طويل في الاكتئاب، وقلة حاجة إلى النوم دون تعب في الهوس.
قد يعكس فقدان الطاقة في الاكتئاب، أو الأعراض السلبية في الفصام.

ولا يكفي سلوك واحد للحكم بوجود مرض، فكثير من الأصحاء يتحدثون مع أنفسهم أو يحبون العزلة. المهم هو التغير عن طبيعة الشخص المعتادة، واستمراره، وأثره في حياته.
سلوك المريض النفسي بحسب نوع الاضطراب
| الاضطراب | تصرفات شائعة | ما يُساء فهمه |
|---|---|---|
| الاكتئاب | انسحاب وبطء وبكاء أو عصبية وإهمال للواجبات | يُفسر كسلًا أو قلة إيمان |
| الهوس | كلام سريع وإنفاق مفرط وقلة نوم وثقة زائدة | يُفسر «فرحة» أو تحسنًا مفاجئًا |
| الذهان | شك وانعزال وكلام غير مترابط أو رد على أصوات | يُفسر كذبًا أو تمثيلًا |
| الوسواس القهري | تكرار الغسل أو التأكد وطلب الطمأنة | يُفسر عنادًا أو مبالغة في النظافة |
| الشخصية الحدية | تقلب حاد في المشاعر وخوف شديد من الهجر | يُفسر تلاعبًا متعمدًا |
هل المريض النفسي يعرف أنه مريض؟
ليس دائمًا. توضح NAMI أن رفض المريض لتشخيصه قد لا يكون «إنكارًا» واعيًا، بل عرضًا طبيًا يسمى انعدام الوعي بالمرض (Anosognosia)، ينتج عن تأثر الفص الجبهي في الدماغ المسؤول عن تحديث صورة الإنسان عن نفسه. وتذكر أن دراسات مبكرة قدرت أن نحو ٣٠٪ من مرضى الفصام و٢٠٪ من مرضى ثنائي القطب لديهم نقص شديد في الوعي بتشخيصهم، وأن هذا الوعي قد يتغير من وقت لآخر، وأنه أشيع سبب لتوقف المرضى عن الدواء. ولهذا لا يفيد أن تحاول «إقناعه» بالجدال بأنه مريض، بل ابحث عن شيء يضايقه هو، كالأرق أو التوتر، واجعله مدخلًا للعلاج.
هل المريض النفسي خطير؟ الحقيقة عن العنف
الصورة الشائعة في الأفلام تربط المرض النفسي بالعنف، والأبحاث تقول غير ذلك. ففي دراسة أمريكية كبيرة تابعت نحو ٣٤ ألف شخص، كان العنف أعلى لدى المصابين بأمراض نفسية شديدة، لكن بشكل ملحوظ فقط عند وجود تعاطٍ أو إدمان معها، ولم يتنبأ المرض النفسي الشديد وحده بالعنف بعد احتساب عوامل أخرى كالعنف السابق والتعاطي والطلاق الحديث والبطالة والتعرض للإيذاء. وفي دراسة أخرى شملت ٤٤٨٠ بالغًا مصابًا باضطرابات نفسية، كانت نسبة من تعرضوا للعنف ٣٠٫٩٪ مقابل ٢٣٫٩٪ ممن مارسوه، وخلص الباحثون إلى أنهم أكثر عرضة لأن يكونوا ضحايا من أن يكونوا معتدين.
هذا لا يعني تجاهل الخطر حين يوجد، بل يعني أن الخطر الحقيقي يأتي غالبًا من اجتماع المرض مع التعاطي أو تاريخ عنف سابق أو توقف العلاج، لا من التشخيص نفسه.
هل يتعمد المريض النفسي تصرفاته؟
الإجابة ليست «نعم» أو «لا» دائمًا. فأعراض مثل الهلاوس ونوبات الهلع والوساوس لا يختارها المريض. لكن كثيرًا من المرضى يحتفظون بقدر من التحكم في ردود أفعالهم، خاصة حين تكون الحالة مستقرة، ويمكنهم تحمل مسؤولية العلاج والاعتذار والتعلم. فالتعامل الصحي يجمع بين الأمرين: تفهم الأعراض وحدود واضحة للسلوك المؤذي. وأما مسؤوليته أمام القانون فلها ضوابط مختلفة نشرحها في صفحة المسؤولية القانونية للمريض النفسي.
كيف ترد على تصرفات المريض النفسي؟
- تكلم بهدوء وجمل قصيرة، واختر وقتًا لا يكون فيه منفعلًا.
- لا تجادله في أفكار الشك أو الهلاوس ولا توافق عليها، بل تحدث عن مشاعره: «واضح إنك خايف».
- لا تأخذ الإهانة في النوبة على أنها رأيه الحقيقي فيك.
- ضع حدودًا واضحة للسلوك المؤذي دون تهديد أو سخرية.
- لاحظ ما يسبق النوبات من قلة نوم أو توقف دواء أو تعاطٍ، وأبلغ الطبيب.
وتجد خطوات أوسع للحياة اليومية والأدوية وخطة الأزمة في دليل التعامل مع المريض النفسي في البيت.
تصرفات تستدعي تدخلًا فوريًا
متى تطلب تقييمًا؟
اطلب تقييمًا إذا تغيرت تصرفات قريبك تغيرًا واضحًا استمر أسابيع، أو أثر في عمله ونومه وعلاقاته، أو ظهرت أفكار غريبة أو شك غير مبرر، أو بدأ يتعاطى. وتنصح NHS بالتقييم الطبي سريعًا عند أعراض الذهان لأن العلاج المبكر أكثر فاعلية. وفي إرادة الاستشارة الأولى مجانية وسرية، ويمكن أن تبدأ بها الأسرة وحدها، والإقامة في مستشفى إرادة للطب النفسي للرجال حين يقرر الطبيب أنها لازمة.