ما هو إيذاء النفس؟
«مكنتش عايز أموت، كنت عايز الوجع اللي جوايا يسكت شوية». جملة يقولها كثير ممن مروا بتجربة إيذاء النفس. وفهم هذه الحقيقة هو أول خطوة لمساعدة نفسك أو مساعدة من تحب، بعيدًا عن الصدمة والغضب واللوم.
تعرّف هيئة الخدمات الصحية البريطانية NHS إيذاء النفس بأنه إلحاق الضرر بالجسد أو إصابته عمدًا. وتعرّفه إرشادات المعهد البريطاني للتميز الصحي NICE بأنه أي تسمم أو إصابة متعمدة للنفس بغض النظر عن الهدف منها. وهو سلوك يرتبط غالبًا بضيق نفسي شديد أو باضطرابات مثل الاكتئاب واضطراب الشخصية الحدية واضطراب ما بعد الصدمة، ولا يُعد مرضًا مستقلًا.
لماذا يلجأ الإنسان إلى إيذاء النفس؟
في تحليل لأكثر من ١٧٠ مجموعة بيانات شملت نحو ٦٠٠ ألف مراهق من ٤١ دولة، نشرته مجلة الأكاديمية الأمريكية للطب النفسي للأطفال والمراهقين عام ٢٠١٨، كان أكثر الأسباب شيوعًا هو الراحة من أفكار أو مشاعر مؤلمة. وتضيف NHS أسبابًا أخرى:
- التعبير عن ألم نفسي لا يجد له الشخص كلمات.
- محاولة الشعور بالسيطرة حين تبدو الحياة خارج السيطرة.
- معاقبة النفس بسبب شعور بالذنب أو كراهية الذات.
- تخفيف ضيق عاطفي يبدو غير محتمل.
- طلب مساعدة لا يعرف الشخص كيف يطلبها بالكلام.
- الاستجابة لأفكار مقتحمة ومزعجة.
وتنشأ هذه المشاعر غالبًا من تراكم ضغوط مثل التنمر، والخلافات الأسرية، ومشكلات العمل أو الدراسة أو المال، والفقد، والصدمات، وضعف تقدير الذات. ويحذر الأطباء من أن الراحة التي يمنحها الإيذاء قصيرة، يعقبها ذنب وخجل يزيدان الضيق، فتتكرر الدائرة.
من الأكثر عرضة لإيذاء النفس؟
بحسب مراجعة منهجية نشرتها مجلة Suicide and Life-Threatening Behavior عام ٢٠١٤، بلغت نسبة إيذاء النفس دون نية انتحار نحو ١٧٫٢٪ لدى المراهقين، و١٣٫٤٪ لدى الشباب، و٥٫٥٪ لدى البالغين في العينات غير المرضية. ويبدأ لدى كثيرين في سن المراهقة، لكنه يحدث في كل الأعمار ولدى الرجال والنساء. ويرتفع الخطر مع الاكتئاب والقلق وتعاطي الكحول والمخدرات، التي تزيد الاندفاع وتضعف التحكم.
علامات قد تلاحظها الأسرة
- إصابات أو كدمات متكررة دون تفسير مقنع.
- ارتداء ملابس تغطي الجسم كله حتى في الحر الشديد.
- الانعزال الشديد وتجنب الحديث مع الآخرين.
- علامات اكتئاب: حزن وبكاء وفقدان الاهتمام بكل شيء.
- حديث عن أنه لا يستحق شيئًا أو أنه عبء.
- حديث عن إنهاء الأشياء أو عدم الرغبة في الاستمرار.
هل إيذاء النفس محاولة انتحار؟
ليس دائمًا. تشير NHS إلى أن كثيرًا ممن يؤذون أنفسهم لا يريدون إنهاء حياتهم، بل يصفون الإيذاء بأنه وسيلة للنجاة من ألم شديد. لكنها تؤكد أيضًا وجود صلة واضحة بين إيذاء النفس والأفكار الانتحارية. ووجدت مراجعة ٢٠١٨ أن المراهقين الذين يؤذون أنفسهم أكثر عرضة لمحاولات الانتحار بعدة أضعاف، خاصة مع تكرار الإيذاء. لذلك يُؤخذ كل إيذاء للنفس بجدية، ويُسأل الشخص بلطف عن الأفكار الانتحارية، فالسؤال لا يزرع الفكرة بل يفتح باب المساعدة.
ماذا تفعل حين تشعر برغبة في إيذاء نفسك؟
هذه البدائل لا تعالج السبب، لكنها تساعدك على عبور الموجة حتى تصل إلى المساعدة. جرّب ما يناسبك:
قل لنفسك سأنتظر ربع ساعة فقط، ثم ربع ساعة أخرى، فالموجة تهدأ مع الوقت.
صديق أو قريب أو خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨، حتى لو لم تذكر السبب.
الابتعاد عن الوحدة ومكان الأدوات يقلل الخطر فورًا.
ضع الألم على الورق بدل الجسد، ثم مزّق الورقة إن أردت.
سمِّ خمسة أشياء تراها، وأربعة تسمعها، وثلاثة تلمسها، وتنفس ببطء.
مشي سريع أو تمارين خفيفة لتفريغ التوتر بطريقة آمنة.

ويفيد أن تكتب مع معالجك خطة أمان مسبقة: علامات الإنذار لديك، وما يهدئك، وأسماء من تتصل بهم، وأرقام الطوارئ، وكيف تجعل بيئتك أكثر أمانًا.
كيف تساعد شخصًا يؤذي نفسه؟
- تحدث بهدوء ودون صدمة أو غضب، واختر مكانًا خاصًا.
- اسأله عن مشاعره وما يمر به، لا عن تفاصيل الإيذاء.
- لا تصفه بأنه يبحث عن الاهتمام، ولا تهدده أو تجبره على الوعد بالتوقف.
- اسأله كيف يحب أن تدعمه، واتركه شريكًا في القرار.
- شجعه على زيارة طبيب نفسي، وعرض أن ترافقه.
- اطلب مساعدة طبية فورية إذا كانت هناك إصابة أو خطر.
- اعتنِ بنفسك أيضًا، وابحث عن دعم لك عبر برنامج الأسرة.
علاج إيذاء النفس
يبدأ العلاج بتقييم نفسي شامل يفهم أسباب الإيذاء والحالات المصاحبة، دون حكم. وبحسب NHS يشمل العلاج غالبًا العلاج المعرفي السلوكي والعلاج الجدلي السلوكي الذي يعلّم مهارات تحمل الضيق وتنظيم المشاعر. ووجدت مراجعة كوكرين عام ٢٠٢١ أن العلاج المعرفي السلوكي الفردي قد يقلل تكرار الإيذاء لدى البالغين. وقد يصف الطبيب دواءً لعلاج الاكتئاب أو القلق المصاحب، ولا تبدأ أو توقف أي دواء دون طبيب. وإذا كان التعاطي جزءًا من الصورة، فعلاجهما معًا ضمن التشخيص المزدوج أكثر فعالية. وفي الحالات عالية الخطر قد يكون الدخول المؤقت إلى مستشفى نفسي هو الأكثر أمانًا.
رغبة في إيذاء النفس أو إصابة الآن؟ اطلب المساعدة فورًا
- إصابة تحتاج علاجًا طبيًا أو لا تتوقف، أو تناول كمية من أي دواء أو مادة عمدًا
- الحديث عن الموت أو عن عدم الرغبة في الاستمرار
- زيادة تكرار الإيذاء أو شدته عن المعتاد
- يأس شديد وانسحاب كامل من الناس
- إيذاء النفس بعد الشرب أو التعاطي، أو مع غياب أي شخص قريب
ابقَ مع الشخص ولا تتركه وحده، وتحدث بهدوء ودون صدمة أو لوم أو تهديد، واسأله بصراحة ولطف إن كانت لديه أفكار عن إنهاء حياته؛ فالسؤال لا يزرع الفكرة بل يفتح باب المساعدة. عند أي إصابة أو تناول مادة أو خطر عاجل اتصل بالإسعاف على ١٢٣ أو توجّه إلى أقرب طوارئ، أو اتصل بخط الدعم النفسي ١٦٣٢٨ على مدار الساعة، وأبعد عن متناوله الأدوية والأدوات التي قد يؤذي بها نفسه.
الإسعاف ١٢٣ خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨