«هو من صغره كده، أي حاجة يحبها يدمنها». تقولها أمهات كثيرات عن أبنائهن، ويقولها بعض المرضى عن أنفسهم: «أنا عندي شخصية إدمانية». الجملة تشرح شيئًا حقيقيًا، لكنها تحمل أيضًا قدرًا من الاستسلام. فما الذي يقوله العلم عن الشخصية الإدمانية؟
هل توجد الشخصية الإدمانية فعلًا؟
لا يعترف الطب النفسي بتشخيص اسمه «الشخصية الإدمانية»، ولا توجد صفات ثابتة يتشاركها كل المدمنين. فالإدمان يصيب الخجول والاجتماعي، والهادئ والمندفع، والناجح والمتعثر. لكن الأبحاث وجدت أن بعض السمات تجعل الشخص أكثر عرضة، وهو ما يحاول المصطلح الشعبي التعبير عنه بطريقة غير دقيقة.
وفي مراجعة نشرتها مجلة Trends in Cognitive Sciences عام ٢٠١٤ بمشاركة مديرة المعهد الوطني الأمريكي لأبحاث تعاطي المخدرات، اقترح الباحثون التركيز على ثلاث سمات شخصية كبرى ترتبط بأنظمة دماغية وجينات محددة، وتتفاعل ديناميكيًا مع البيئة ومع المخدرات نفسها لتحدد قابلية الشخص للإدمان أو مقاومته له.
السمات التي ترفع خطر الإدمان
التصرف قبل التفكير، وصعوبة تأجيل الرغبة، وهي أقوى السمات ارتباطًا بالإدمان.
الملل السريع والميل للتجارب الجديدة والمخاطرة.
الخوف من أحاسيس القلق نفسها، فيبحث الشخص عما يسكتها بسرعة.
نظرة سوداوية للمستقبل وميل للحزن، فتصبح المادة مهربًا.
تقلب انفعالي وحساسية زائدة للضغوط.
صدام متكرر مع الآخرين وصعوبة في الالتزام بالقواعد.

والسمات الأربع الأولى هي التي يستهدفها برنامج الوقاية PreVenture الذي طورته الباحثة باتريشيا كونرود. أما ارتباط الإدمان بالعصابية وضعف التوافق وضعف الكبح فجاء في التحليل الجامع لكوتوف وزملائه عام ٢٠١٠.
ماذا تقول الأبحاث عن الشخصية والإدمان؟
حلل كوتوف وزملاؤه ١٧٥ دراسة نُشرت بين ١٩٨٠ و٢٠٠٧، ووجدوا أن الاضطرابات النفسية الشائعة كلها ترتبط بالعصابية المرتفعة والانضباط المنخفض. لكن اضطرابات تعاطي المواد تميزت عن غيرها: فهي أقل ارتباطًا بالعصابية، وأكثر ارتباطًا بضعف الكبح، أي الاندفاعية، وبعدم التوافق مع الآخرين.
والمهم أن هذه ارتباطات إحصائية بين مجموعات، لا قدر مكتوب على فرد. فكثيرون يحملون هذه السمات ولا يقتربون من المخدرات، وكثيرون يدمنون دون أن تظهر عليهم بوضوح. ويشرح دليل أسباب الإدمان بقية العوامل: الوراثة والبيئة والصدمات وسن البداية.
الشخصية الإدمانية واضطرابات الشخصية
يخلط بعض الناس بين «الشخصية الإدمانية» واضطرابات الشخصية المعروفة طبيًا. والصحيح أن بعض هذه الاضطرابات يتقاطع كثيرًا مع الإدمان، مثل اضطراب الشخصية الحدية واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، وحين يجتمعان يحتاج العلاج إلى خطة تتعامل مع الاثنين ضمن التشخيص المزدوج. لكن وجود الإدمان لا يعني وجود اضطراب شخصية، والعكس صحيح.
هل الإدمان يغير الشخصية؟
كثير مما يبدو «شخصية» أثناء الإدمان هو في الحقيقة أثر للمادة وللحياة حولها: الكذب لإخفاء التعاطي، والعصبية في الانسحاب، والاندفاع تحت التأثير. ولهذا يفاجأ كثير من الأهل بأن ابنهم بعد أشهر من التعافي يبدو أهدأ وأقرب لما كان عليه. فلا يصح الحكم على الشخصية في ذروة الإدمان.
لماذا قد يضر وصف «الشخصية الإدمانية»؟
هل يمكن الوقاية إذا ظهرت هذه السمات مبكرًا؟
نعم، وهذا من أكثر ما يبعث على الأمل. ففي تجربة عشوائية على ٣١ مدرسة ثانوية في مونتريال، نشرت نتائجها بعد خمس سنوات المجلة الأمريكية للطب النفسي عام ٢٠٢٥، تلقى طلاب لديهم درجات مرتفعة في إحدى السمات الأربع جلستين جماعيتين قائمتين على العلاج المعرفي السلوكي ومصممتين لسمة كل طالب. وكان ارتفاع معدلات اضطرابات تعاطي المواد على مدى السنوات أبطأ في مدارس البرنامج مقارنة بالمدارس الأخرى.
- تعرّف على سمات طفلك دون أن تحولها إلى لقب.
- علّمه مهارات التعامل مع القلق والملل والاندفاع مبكرًا.
- وفّر بدائل صحية للإثارة كالرياضة والأنشطة الجماعية.
- تابع مع مختص إذا ظهر قلق أو اكتئاب أو اندفاع شديد، فالعلاج المبكر وقاية، كما في دليل الوقاية من المخدرات.
كيف يُراعي العلاج سمات الشخصية؟
العلاج الجيد لا يعالج «المدمن» كقالب واحد. فالمندفع يحتاج مهارات تأجيل وضبط، وصاحب حساسية القلق يحتاج علاجًا للقلق نفسه، وصاحب اليأس يحتاج تقييمًا للاكتئاب. ولهذا يبدأ العلاج في إرادة بتقييم نفسي شامل يحدد هذه الجوانب، ثم تُبنى الخطة عليها.