«خالي كان عنده فصام، وأنا خايف أتجوز ويطلع ابني زيه». خوف حقيقي يعيشه كثيرون في عائلات فيها مريض نفسي، وقد يدفع بعضهم إلى إخفاء المرض أو تأجيل الزواج سنوات. وهذا المقال يجيب بالأرقام عن سؤال: هل الأمراض النفسية وراثية؟ وماذا تعني هذه الأرقام لك فعلًا؟
هل الأمراض النفسية وراثية؟ الإجابة المختصرة
يقول المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية NIMH إن بعض الاضطرابات النفسية تتكرر في العائلات، وإن التاريخ العائلي قد يكون مفتاحًا مهمًا لمعرفة الخطر، وإن وجود قريب مصاب قد يعني خطرًا أعلى «لكنه لا يعني بالضرورة أنك ستصاب»، فعوامل أخرى كثيرة تشارك فيها. ويوضح أن الاضطرابات الشائعة كالاكتئاب والقلق تنتج على الأرجح من مزيج من تجارب الحياة والبيئة والاختلافات الجينية.
ماذا تعني «نسبة التوريث»؟
حين تقرأ أن نسبة توريث اضطراب ما ٨٠٪، فهذا لا يعني أن ابن المريض سيصاب بنسبة ٨٠٪. بل يعني أن الجينات تفسر نحو ٨٠٪ من اختلاف الناس في القابلية لهذا الاضطراب داخل مجتمع معين. وتُحسب هذه النسبة غالبًا من دراسات التوائم: فإذا تشابه التوأم المتطابق في الإصابة أكثر بكثير من التوأم غير المتطابق، دل ذلك على دور كبير للجينات. أما الخطر الفعلي على شخص بعينه فيُقدَّر بطريقة أخرى، من دراسات أقارب المرضى.
نسب التوريث في أشهر الأمراض النفسية
| نسبة التوريث التقديرية | المصدر | |
|---|---|---|
| الفصام | نحو ٨١٪ | تحليل جامع لـ١٢ دراسة توائم (٢٠٠٣) |
| فرط الحركة وتشتت الانتباه | نحو ٧٤٪ | مراجعة في مجلة Molecular Psychiatry (٢٠١٩) |
| الاضطراب ثنائي القطب | نحو ٦٠٪ | دراسة توائم سويدية سكانية (٢٠١٩) |
| الاكتئاب الشديد | نحو ٣٧٪ | تحليل جامع لدراسات العائلات والتوائم (٢٠٠٠) |

وفي التحليل نفسه عن الاكتئاب، كانت احتمالات إصابة أقارب الدرجة الأولى للمريض أعلى بنحو ٢٫٨ مرة، بينما فسرت العوامل البيئية الخاصة بكل فرد النسبة الأكبر من القابلية (نحو ٦٣٪). أما في الفصام فوجد الباحثون أيضًا دورًا للبيئة المشتركة بين الإخوة بنحو ١١٪، وانتهوا إلى أنه «سمة معقدة» تنتج من الجينات والبيئة معًا.
ما خطر إصابة أبناء المريض النفسي؟
في تحليل جامع نشر عام ٢٠١٤ وشمل ٣٣ دراسة وأكثر من ٣٨٠٠ من أبناء آباء أو أمهات مصابين بالفصام أو ثنائي القطب أو الاكتئاب الشديد، كان احتمال إصابة الأبناء باضطراب نفسي شديد حتى سن البلوغ ٣٢٪، أي أكثر من ضعف أبناء المجموعة المقارنة. وكان خطر الإصابة بالاضطراب نفسه الموجود لدى الوالد أعلى بنحو ٣٫٦ مرة. وهذه الأرقام تعني أمرين معًا: أن الخطر أعلى فعلًا ويستحق الانتباه، وأن نحو ثلثي الأبناء لم يصابوا باضطراب شديد.
هل يفيد التحليل الجيني قبل الزواج أو الإنجاب؟
يقول NIMH بوضوح إن الاختبارات الجينية لا تستطيع حاليًا التنبؤ بدقة بخطر الإصابة باضطراب نفسي، وإن من السابق لأوانه استخدامها في التشخيص أو العلاج، وإن التقارير الجينية التي تبيعها الشركات مباشرة للمستهلكين لا تساعد عادة في توقع هذا الخطر وقد تكون مضللة. أما الاستشارة الوراثية فقد تفيد في حالات نادرة يُشتبه فيها بمتغير جيني محدد أو مرض وراثي آخر، ويقرر ذلك الطبيب.
في عائلتي مريض نفسي: كيف أقلل الخطر؟
- اعرف تاريخ عائلتك من أقارب الدرجة الأولى، وأخبر طبيبك به، كما ينصح NIMH.
- ابتعد عن المخدرات، فالمواد مثل الحشيش والمنشطات قد تثير أعراضًا ذهانية، وتجعل أي اضطراب موجود أصعب علاجًا.
- حافظ على نوم منتظم ونشاط بدني وعلاقات داعمة، فهي من عوامل الحماية العامة للصحة النفسية.
- تعلم علامات الإنذار المبكر للاضطراب الموجود في عائلتك، واطلب تقييمًا عند ظهورها.
- وفّر لأطفالك بيتًا آمنًا داعمًا، فالبيئة تشارك الجينات في تحديد المصير.
وماذا عن الإدمان؟
الإدمان أيضًا يتأثر بالوراثة والبيئة معًا، ويشترك مع الاضطرابات النفسية في عوامل خطر كالجينات والصدمات والضغوط كما توضح NIDA. وتفاصيل ذلك في صفحة أسباب الإدمان، وحين يجتمع الاثنان في شخص واحد يكون علاج التشخيص المزدوج هو الأنسب.
الوراثة ليست سببًا للعار أو للإخفاء
إخفاء مرض أحد أفراد العائلة خوفًا على زواج الإخوة يؤخر علاجه، ويحرم الآخرين من معرفة تساعدهم على الاكتشاف المبكر. والأفضل أن تُعرف الحقيقة بهدوء وبلغة طبية، وأن يُعامل المرض النفسي كما يُعامل السكري أو الضغط اللذان يتكرران أيضًا في العائلات. وفي إرادة يمكنك أن تسأل عن خطرك أو خطر أبنائك في استشارة أولى مجانية وسرية.