لماذا يُقال إن للفصام أسبابًا متعددة؟
يشرح الأطباء الفصام اليوم بنموذج يسمى الاستعداد والضغط: يولد بعض الناس بقابلية أعلى بسبب جيناتهم ومسار نمو أدمغتهم، ثم تأتي عوامل خلال الحياة تزيد العبء على هذا الدماغ حتى يتجاوز حدًا معينًا فتظهر الأعراض. ولا يكفي عامل واحد وحده في أغلب الحالات.
ولهذا قد ينشأ أخوان في البيت نفسه ويتعرضان للظروف نفسها، فيصاب أحدهما ولا يصاب الآخر. فلا أحد «مذنب» هنا؛ إنه اجتماع احتمالات يصعب التنبؤ بها في شخص بعينه.
هل الفصام وراثي؟
الوراثة من أقوى عوامل الخطر المعروفة؛ فالفصام أكثر شيوعًا داخل بعض العائلات، ويرتفع الخطر كلما كانت القرابة أقرب، ويبلغ أعلاه لدى التوأم المتطابق لشخص مصاب. ومع ذلك فحتى التوأم المتطابق لا يصاب في كل الحالات، وهذا دليل واضح على أن البيئة تشارك بدور مهم.
ولا يوجد «جين للفصام»، بل مئات التغيرات الجينية الصغيرة، يضيف كل منها قدرًا ضئيلًا من الخطر، ويشترك بعضها مع اضطرابات أخرى كالاضطراب ثنائي القطب. ولهذا لا توجد حاليًا تحاليل جينية تتنبأ بالإصابة لشخص بعينه.
ما دور الدوبامين والجلوتامات في الفصام؟
النظرية الأقدم تربط الأعراض الإيجابية بزيادة نشاط الدوبامين في مسارات معينة في الدماغ، ويدعمها أن الأدوية المضادة للذهان تعمل أساسًا على مستقبلات الدوبامين، وأن المنشطات التي ترفع الدوبامين قد تسبب أعراضًا ذهانية.
لكن الدوبامين لا يفسر كل شيء؛ فالأعراض السلبية والمعرفية ترتبط أيضًا بخلل في الجلوتامات، الناقل العصبي الأهم في التواصل بين الخلايا، وبتغيرات في شبكات الفص الجبهي. ويبحث العلماء كذلك في دور الالتهاب والمناعة، ولم تكتمل الصورة بعد.
هل يبدأ الفصام قبل الولادة؟
يرى كثير من الباحثين أن الفصام اضطراب في مسار نمو الدماغ، تبدأ جذوره مبكرًا وتظهر أعراضه في أواخر المراهقة، حين يعيد الدماغ «تهذيب» الوصلات العصبية وتنضج شبكات التفكير. ومن العوامل المبكرة التي ارتبطت بزيادة الخطر بدرجة بسيطة:
- التعرض لبعض العدوى الفيروسية أو سوء التغذية أثناء الحمل.
- مضاعفات الولادة التي تسبب نقص الأكسجين للجنين، والولادة المبكرة جدًا أو نقص الوزن الشديد.
- تقدم عمر الأب عند الإنجاب، وفق عدد من الدراسات.
- تأخر بسيط في النمو الحركي أو اللغوي في الطفولة لدى بعض من يصابون لاحقًا.
ومن المهم ألا تلوم الأم نفسها بسبب هذه العوامل؛ فأثر كل منها صغير، وأغلب من تعرضوا لها لا يصابون بالفصام.
هل يسبب الحشيش الفصام؟
هذا من أهم الأسئلة لأسر شبابنا. تُظهر الأبحاث أن تعاطي الحشيش في المراهقة، وخاصة التعاطي اليومي والأنواع عالية التركيز، يرفع خطر الإصابة بالذهان والفصام عدة أضعاف لدى بعض الأشخاص، ويرتبط بظهور المرض في سن أبكر. وقدّرت دراسة أوروبية كبيرة أن نسبة من حالات الذهان الجديدة في بعض المدن كان يمكن تجنبها لو لم تتوفر الأنواع عالية التركيز.
وهذا لا يعني أن كل من يتعاطى الحشيش سيصاب بالفصام؛ فالحشيش يعمل كعامل يدفع الدماغ المستعد نحو المرض. والأمر نفسه ينطبق، وربما بدرجة أشد، على القنب الصناعي مثل الاستروكس، وعلى المنشطات مثل الشابو. والعلاقة بين المرض والإدمان مشروحة في صفحة الفصام والإدمان.
ما دور الصدمات والضغوط والبيئة؟
الإساءة أو الإهمال أو التنمر الشديد في الطفولة ترتبط بزيادة خطر الذهان لاحقًا.
العيش والنشأة في مدن مزدحمة ارتبط في الدراسات بخطر أعلى، ربما بسبب الضغوط والعزلة.
الغربة والتهميش والتمييز الاجتماعي عوامل ضغط مستمرة ترتبط بخطر أعلى للذهان.
الحرمان الطويل من النوم قد يفجّر أعراضًا لدى من لديهم استعداد.
فقدان عزيز أو انتقال أو امتحانات مصيرية قد تسبق النوبة الأولى وتعمل كمحفز.
والفقر والضغوط المعيشية ترتبط أيضًا بزيادة الخطر، كما تشير المعاهد الوطنية للصحة النفسية الأمريكية. فالضغوط وحدها لا تصنع الفصام، لكنها تزيد العبء على دماغ لديه قابلية.
ما الفرق بين المحفز والسبب؟
كثيرًا ما تقول الأسرة: «مرض بعد ما رسب في الامتحان» أو «بعد وفاة والده». والحقيقة أن هذه الأحداث غالبًا محفزات جاءت في توقيت كشف مرضًا كان يتكوّن ببطء، وليست السبب الوحيد. وفهم هذا الفرق يخفف شعور الأسرة بالذنب، ويوجه الجهد إلى ما ينفع: العلاج وتقليل المحفزات في المستقبل.
| عوامل تزيد الخطر | عوامل قد تحمي أو تقلل الخطر |
|---|---|
| وجود قريب من الدرجة الأولى مصاب | بيئة أسرية داعمة وقليلة النقد والعدائية |
| تعاطي الحشيش أو القنب الصناعي أو المنشطات في المراهقة | الامتناع عن المخدرات، أو تأخير أي تعاطٍ إلى ما بعد اكتمال نمو الدماغ |
| صدمات الطفولة والتنمر والإهمال | علاقات آمنة مع الكبار ودعم نفسي مبكر بعد الصدمات |
| العزلة والتهميش والضغوط المزمنة | شبكة أصدقاء وانتماء لمجتمع أو نشاط |
| تجاهل العلامات المبكرة | التقييم المبكر عند ظهور علامات بادرية وبرامج التدخل المبكر في الذهان |

خرافات عن أسباب الفصام
- «سببه الأم الباردة أو التربية القاسية»: نظرية «الأم المسببة للفصام» ظهرت في منتصف القرن الماضي وتخلى عنها الطب تمامًا لغياب الدليل.
- «سببه الحسد أو السحر أو المس»: الإيمان بهذه الأمور لا يتعارض مع العلاج، لكن الأعراض لها تفسير طبي، وتأخير الطبيب بسببها يضر المريض.
- «سببه كثرة التفكير أو المذاكرة»: التفكير والدراسة لا يسببان الفصام، وقد يكون التراجع الدراسي نفسه من أولى علامات المرض.
- «سببه صدمة عاطفية واحدة»: الصدمة قد تكون محفزًا، لكن المرض ينتج عن تراكم عوامل متعددة.
ومعرفة الأسباب لا تغيّر كثيرًا من خطة العلاج في الغالب، لكنها تحرر الأسرة من اللوم وتوجهها إلى الوقاية لدى الإخوة الأصغر، وأهمها التوعية بمخاطر المخدرات.