لماذا يصاب بعض الناس باضطراب الشخصية النرجسية؟
تُفهم اضطرابات الشخصية اليوم كنتيجة لطبع يولد به الإنسان، يتفاعل مع بيئة تربيته وتجاربه المبكرة، فيتكون أسلوب ثابت في رؤية الذات والآخرين. وفي النرجسية يتكون أسلوب يحمي صورة الذات بأي ثمن.
يصف الباحثون الاضطراب بأنه تقدير ذات هش محاط بدفاعات قوية. والسؤال عن الأسباب هو في جوهره سؤال: لماذا لم يتكون لدى هذا الشخص إحساس ثابت بقيمته لا يهتز مع كل نقد؟
هل اضطراب الشخصية النرجسية وراثي؟
تشير دراسات التوائم إلى أن السمات النرجسية والاضطراب نفسه لهما مكوّن وراثي واضح، وتصف بعض المراجع الطبية الاضطراب بأنه عالي التوريث. لكن الوراثة هنا تعني استعدادًا لا مصيرًا: فالطفل يرث طبعًا معينًا، والبيئة تحدد إلى أي اتجاه يتطور.
ولهذا قد يكون لدى أحد الأبناء ملامح نرجسية واضحة بينما لا تظهر لدى إخوته الذين نشؤوا في البيت نفسه، لأن كل طفل يولد بطبع مختلف ويتفاعل مع أسرته بطريقة مختلفة.
ما دور الطبع والدماغ؟
تربط الدراسات الاضطراب بسمات طبعية مثل البحث عن الجديد والإثارة، وانخفاض الخوف من العواقب، والحاجة القوية للمكافأة والاهتمام. كما تشير أبحاث التصوير الأولية إلى اختلافات في مناطق الدماغ المرتبطة بالتعاطف وتنظيم الانفعالات، لكنها ما زالت نتائج بحثية لا تستخدم في التشخيص.
هل التربية تصنع الشخص النرجسي؟
التربية عامل مهم لكنها ليست العامل الوحيد. وتذكر المراجع الطبية أنماطًا تبدو متناقضة لكنها تشترك في أن الطفل لا يُرى كما هو:
إخبار الطفل دائمًا بأنه أفضل من غيره ومميز فوق الجميع، دون ربط التقدير بجهد حقيقي، فيبني صورة متضخمة يصعب الحفاظ عليها.
إعفاء الطفل من أي إحباط أو مسؤولية، فلا يتعلم تحمل الخيبة أو مراعاة احتياجات الآخرين.
غياب الدفء والاهتمام الحقيقي، فيتعلم الطفل أن قيمته مرهونة بإبهار الآخرين.
المقارنة الدائمة والسخرية، فيبني الطفل درعًا من العظمة يحمي به نفسه من الإحساس بعدم الكفاية.
والعامل المشترك في هذه الأنماط أن حب الطفل يصبح مشروطًا بصورة معينة: أن يكون متفوقًا أو مبهرًا أو مطيعًا، لا أن يكون محبوبًا لأنه هو.
ما علاقة صدمات الطفولة بالنرجسية؟
تربط بعض الدراسات بين الاضطراب وتجارب مبكرة مثل الرفض أو الإهمال أو الإساءة أو فقدان أحد الوالدين، خاصة في الصورة الهشة. ويُفهم ذلك بأن الطفل الذي تعرض لألم شديد قد يبني صورة ذات متضخمة كوسيلة للنجاة من إحساس الضعف.
لكن الصدمة ليست شرطًا؛ فكثير من المصابين لم يمروا بصدمات واضحة، وأغلب من مروا بها لا يصابون بهذا الاضطراب. ولهذا نتحدث عن عوامل خطر لا عن أسباب مباشرة.
كيف تفسر نظرية التعلق هذا النمط؟
ترى مدارس نفسية عديدة أن الطفل يبني صورته عن نفسه من انعكاسها في عيون من يرعونه. فإذا كان الانعكاس مبالغًا فيه أحيانًا وغائبًا أحيانًا أخرى، لا يتكون لديه إحساس ثابت بقيمته، فيظل يبحث عنه في إعجاب الآخرين طوال حياته. وهذا التفسير يساعد على فهم لماذا يتألم المصاب بشدة من التجاهل، ولماذا يركز العلاج على بناء إحساس داخلي بالقيمة.
هل للمجتمع والثقافة دور؟
يرى بعض الباحثين أن الثقافات التي تعلي من شأن المظهر والمكانة والنجاح الفردي قد تعزز السمات النرجسية، ويُطرح السؤال نفسه عن مواقع التواصل التي تكافئ الظهور والإعجاب. لكن الأدلة هنا ما زالت محدودة، ولا يمكن القول إن مواقع التواصل تسبب الاضطراب، وإن كانت قد تغذي سمات موجودة.
ما عوامل الخطر وعوامل الحماية؟
| عوامل خطر | عوامل حماية |
|---|---|
| طبع يميل للبحث عن الإثارة والاهتمام | علاقة دافئة ثابتة مع أحد الوالدين على الأقل |
| مديح غير واقعي أو تدليل يعفي من المسؤولية | تقدير مرتبط بالجهد لا بالتفوق على الآخرين |
| إهمال عاطفي أو نقد قاسٍ أو إذلال | تعليم الطفل التعاطف والاعتذار بالقدوة |
| حب مشروط بالإنجاز أو المظهر | السماح للطفل بالخطأ والإحباط مع الدعم |
| تاريخ عائلي لاضطرابات الشخصية | تدخل مبكر عند ظهور صعوبات سلوكية أو عاطفية |

ما الفرق بين السبب والمحفز؟
السبب هو ما يكوّن النمط عبر السنوات، أما المحفز فهو ما يجعل النمط يظهر بقوة في لحظة معينة. ومن المحفزات الشائعة: فقدان وظيفة أو منصب، أو الانفصال، أو التقدم في العمر، أو المرض، أو أي موقف يمس صورة الذات أمام الناس. وفهم المحفزات يساعد الأسرة على توقع الأزمات والاستعداد لها.
خرافات شائعة عن أسباب النرجسية
- «الأم هي السبب دائمًا»: خطأ؛ الأسباب متعددة وتشمل الوراثة والطبع والظروف، ولوم طرف واحد لا يفيد أحدًا.
- «النرجسي اختار أن يكون هكذا»: النمط يتكون تدريجيًا منذ الطفولة دون قرار واعٍ، لكن الشخص البالغ مسؤول عن أفعاله وعن طلب العلاج.
- «النرجسية معدية»: لا تنتقل بالمخالطة، وإن كان الأطفال يتعلمون أساليب التعامل من الكبار حولهم.
- «مواقع التواصل صنعت جيلًا نرجسيًا»: قد تغذي سمات موجودة، لكن الأدلة لا تثبت أنها تسبب الاضطراب.
هل يمكن الوقاية من النرجسية في تربية الأطفال؟
لا توجد وصفة مضمونة، لكن ما يعرفه المختصون عن نمو الشخصية يشير إلى أن الطفل يحتاج إلى حب غير مشروط، وتقدير واقعي لجهده، وحدود واضحة، وفرص لتحمل الإحباط، وقدوة في التعاطف والاعتذار. وإذا لاحظتم لدى طفلكم صعوبات مستمرة في التعاطف أو تقبل الخسارة فاستشارة أخصائي نفسي للأطفال خطوة مفيدة مبكرة.