«من يوم الحادثة وأنا مش عارف أركب عربية، وكل ما أغمض عيني أشوف اللحظة دي». كثيرون يعيشون بعد حادث أو اعتداء أو خبر مفاجع أسابيع لا يعرفون فيها هل ما يمرون به طبيعي أم بداية مرض. الصدمة النفسية تجربة إنسانية شائعة، وفهم ما يحدث بعدها أول ما يساعدك على التعامل معها.
ما هي الصدمة النفسية؟
يعرّف المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية (NIMH) الحدث الصادم بأنه تجربة مفزعة أو مخيفة أو خطيرة قد تؤثر في الشخص نفسيًا وجسديًا. أما إدارة خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان الأمريكية (SAMHSA) فتصف الصدمة الفردية بأنها نتيجة حدث أو سلسلة أحداث أو ظروف يعيشها الشخص على أنها مؤذية جسديًا أو نفسيًا أو مهددة للحياة، وتترك آثارًا ممتدة على أدائه وصحته النفسية والجسدية وعلاقاته.
معنى ذلك أن الصدمة لا تقاس بالحدث وحده؛ فالحادث نفسه قد يمر على شخص بأثر عابر، ويترك عند آخر جرحًا عميقًا بحسب عمره وتاريخه ومدى الدعم الذي وجده حوله.
أنواع الصدمة النفسية
حدث واحد مفاجئ: حادث سير، أو اعتداء، أو حريق، أو زلزال.
أذى يتكرر لفترة طويلة، كالعنف داخل البيت أو التنمر المستمر.
إساءة أو إهمال في الصغر يمتد أثره إلى الكبر.
أن تشهد الحدث يقع لغيرك، أو تسمع أنه أصاب شخصًا قريبًا منك.
وفاة غير متوقعة لشخص عزيز، خاصة في ظروف عنيفة.
تهجير وخوف ممتد وخسائر متتالية في وقت قصير.
وتذكر هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS) أن الأذى المتكرر، كإساءة الطفولة أو إهمالها، والعنف الأسري المستمر، ومشاهدة العنف مرارًا، قد يؤدي إلى ما يسمى الصدمة المعقدة أو اضطراب ما بعد الصدمة المعقد، الذي يشبه في أعراضه اضطراب ما بعد الصدمة لكنه يختلف في أسبابه.
أعراض الصدمة النفسية: ردود فعل شائعة
بحسب NIMH، من الطبيعي أن تشعر بالخوف أثناء الحدث وبعده، لأن الخوف جزء من استجابة «الكر أو الفر» التي تحميك من الخطر. ومن ردود الفعل الشائعة:
- قلق أو حزن أو غضب يأتي في موجات.
- صعوبة في التركيز وفي النوم.
- تفكير متكرر في ما حدث وصور تقتحم الذهن.
- تجنب الأماكن أو الأشخاص المرتبطين بالحدث.
- فزع لأقل صوت وتوتر دائم.
- أعراض جسدية: صداع، واضطراب في المعدة، وخفقان، وتعرق.
ولدى الأطفال الأصغر من ٦ سنوات قد تظهر الصدمة بطريقة مختلفة بحسب NIMH: التبول في الفراش بعد أن تعلم الطفل استخدام الحمام، أو التوقف عن الكلام، أو إعادة تمثيل الحدث المخيف أثناء اللعب، أو التعلق الشديد بأحد الوالدين. أما المراهقون فقد يظهر عليهم سلوك عدواني أو شعور بالذنب أو أفكار انتقامية.
ماذا يحدث بعد الحدث الصادم؟
- اللحظةاستجابة الخطر
خوف وارتباك وتسارع في القلب، وقد يشعر الشخص بالتجمد أو الذهول.
- الأيام الأولىموجات من المشاعر
قلق وأرق وصور متكررة للحدث، وهذا شائع ومتوقع.
- الأسابيع التاليةتراجع تدريجي
عند أغلب الناس تخف الأعراض مع الوقت والدعم والعودة للروتين.
- إذا لم تتحسنتقييم مختص
أعراض مستمرة أو متزايدة تعطل الحياة تحتاج طبيبًا نفسيًا.
- العلاجالتعافي
علاجات نفسية موجهة للصدمة تساعد على استعادة الإحساس بالأمان.

متى تتحول الصدمة النفسية إلى اضطراب؟
تقول منظمة الصحة العالمية إن نحو ٧٠٪ من الناس حول العالم سيمرون بحدث صادم محتمل خلال حياتهم، لكن أقلية فقط (٥٫٦٪ منهم) يصابون بـاضطراب ما بعد الصدمة، وتقدّر المنظمة أن ٣٫٩٪ من سكان العالم أصيبوا به في مرحلة ما من حياتهم. وتختلف النسبة بحسب نوع الحدث؛ إذ ترتفع إلى ١٥٫٣٪ بين من تعرضوا للحروب والنزاعات المسلحة.
ولا يقتصر أثر الصدمة على هذا الاضطراب؛ فبحسب NIMH قد يصاب بعض من مروا بصدمة بـنوبات الهلع أو الاكتئاب أو تعاطي المواد أو أفكار انتحارية. ويزيد الخطر لمن لديه تاريخ شخصي أو عائلي لمرض نفسي أو تعاطٍ، أو تعرض لصدمات سابقة، أو يعيش ضغطًا مستمرًا، أو يفتقد الدعم من حوله.
الصدمة النفسية والإدمان
تشير SAMHSA إلى أن الصدمة شائعة بشكل خاص في حياة المصابين باضطرابات نفسية واضطرابات تعاطي المواد. فكثيرون يلجؤون إلى الكحول أو المهدئات أو الحشيش لإسكات الذكريات أو النوم، فيجدون أنفسهم بعد فترة أمام مشكلتين بدل واحدة. ولهذا يوصي NIMH بتجنب الكحول والمخدرات بعد الصدمة، ويحتاج من اجتمعت لديه الصدمة والتعاطي إلى علاج يتناولهما معًا.
كيف تساعد نفسك بعد الصدمة النفسية؟
- اقضِ وقتًا مع أشخاص تثق بهم ويدعمونك، ولا تعزل نفسك.
- حافظ على روتين ثابت للأكل والنوم والحركة قدر الإمكان.
- مارس نشاطًا يخفف التوتر: مشي، أو تمارين تنفس، أو صلاة وتأمل.
- ضع أهدافًا صغيرة واقعية، وركّز على ما تستطيع التحكم فيه.
- ابتعد عن الكحول والمخدرات والمهدئات دون وصفة.
- لا تجبر نفسك على الحكي قبل أن تكون مستعدًا، ولا تكبت الحديث إن احتجت إليه.
علاج الصدمة النفسية
إذا استمرت الأعراض أو أثرت في عملك وبيتك، فالعلاج النفسي الموجه للصدمة هو الخيار الأساسي، ومنه العلاج المعرفي السلوكي بصيغه المركزة على الصدمة، وقد يصف الطبيب دواءً للأرق أو القلق أو الاكتئاب المصاحب، ويحدد هو نوعه وجرعته، فلا تبدأ أو توقف أي دواء دون طبيب. وتجد تفاصيل الخيارات في صفحة علاج اضطراب ما بعد الصدمة.
وفي إرادة يمكنك البدء بتقييم في العيادات الخارجية، والاستشارة الأولى مجانية وسرية. وإذا اجتمعت الصدمة مع إدمان أو أعراض شديدة، يتاح العلاج الداخلي للرجال تحت إشراف فريق متكامل.