«أمي دايمًا تقولي: انت بتكلم نفسك ليه؟ إنت اتجننت؟». الحقيقة أن أغلب الناس يكلمون أنفسهم: وهم يبحثون عن المفاتيح، أو يراجعون كلامًا قبل مقابلة، أو يشجعون أنفسهم قبل امتحان. فمتى تكون هذه العادة طبيعية بل مفيدة، ومتى تكون إشارة لشيء يحتاج انتباهًا؟
ما هو التكلم مع النفس؟
يأخذ التكلم مع النفس صورتين: حديث داخلي صامت تسمعه في رأسك وأنت تفكر أو تقرأ، وحديث مسموع تقوله بصوت منخفض أو عالٍ. وتصف مراجعة علمية نشرتها دورية Psychological Bulletin عام ٢٠١٥ الحديث الداخلي، أو «التفكير اللفظي»، بأنه ظاهرة ترتبط بالنمو المعرفي ومراقبة الكلام والوظائف التنفيذية كالتخطيط والتحكم، وتؤدي وظائف مهمة في التفكير الإنساني رغم اختلافها من شخص لآخر.
لماذا نتكلم مع أنفسنا؟
- للتنظيم: «المفاتيح، المحفظة، التليفون» قائمة تقولها حتى لا تنسى.
- للتركيز في مهمة معقدة أو خطوات متتابعة.
- للتخطيط والتدريب على حوار قبل أن يحدث.
- لتهدئة الانفعال وتشجيع النفس قبل موقف صعب.
- للتفكير بصوت عالٍ وحل مشكلة بطريقة أوضح.
- لكسر الصمت عند من يعيش وحده لفترات طويلة.
وتشير المراجعة نفسها إلى أن الأطفال يمرون بمرحلة «الكلام الخاص»، فيكلمون أنفسهم بصوت مسموع أثناء اللعب وحل المشكلات، ثم يتحول هذا الكلام تدريجيًا إلى حديث داخلي صامت مع النمو.
فوائد التكلم مع النفس: ماذا تقول الدراسات؟
في بحث نشرته دورية Journal of Personality and Social Psychology عام ٢٠١٤، أجرى باحثون من جامعة ميشيغان ٧ دراسات على ٥٨٥ مشاركًا. ووجدوا أن من يخاطبون أنفسهم بأسمائهم أو بضمير المخاطب («إنت تقدر يا أحمد») بدل ضمير المتكلم («أنا مش هقدر») أثناء التفكير في موقف ضاغط، أظهروا توترًا أقل وأداءً أفضل في مهام مثل إلقاء كلمة أمام الناس، ونظروا إلى المواقف القادمة على أنها تحدٍّ لا تهديد. ولم يختلف هذا الأثر بين من لديهم قلق اجتماعي ومن ليس لديهم.
حين يصبح الحوار الداخلي ضدك
ليس كل حديث داخلي مفيدًا. فالصوت الذي يكرر «أنا فاشل» و«كله هيبوظ» يغذي القلق والاكتئاب، وإعادة المواقف في الذهن مرارًا هي ما يسمى التفكير الزائد. والمشكلة هنا ليست في الكلام مع النفس، بل في نبرته القاسية ومحتواه السلبي، وهو ما يعالجه العلاج المعرفي السلوكي بتعليمك ملاحظة هذه الأفكار ومراجعتها.
الفرق بين التكلم مع النفس والكلام مع أصوات
تذكر هيئة الخدمات الصحية البريطانية (NHS) أن أشهر الهلاوس في الفصام هي سماع أصوات، وأن هذه الأصوات تبدو حقيقية تمامًا لصاحبها رغم أن من حوله لا يسمعونها. ومن هنا يأتي الفرق الجوهري:
| التكلم مع النفس الطبيعي | الكلام مع أصوات (هلاوس) | |
|---|---|---|
| مصدر الصوت | تعرف أنه صوتك وأفكارك | يعتقد أن الصوت يأتي من شخص آخر أو من الخارج |
| التحكم | تستطيع التوقف متى أردت | الأصوات تفرض نفسها ويصعب تجاهلها |
| المحتوى | تخطيط أو تذكير أو تشجيع | تعليق أو سخرية أو أوامر وتهديد أحيانًا |
| الموقف من الآخرين | يخفض صوته أو يتوقف إذا انتبه أن أحدًا يسمعه | قد يرد على الأصوات أمام الناس أو يضحك دون سبب ظاهر |
| الأعراض المصاحبة | لا تغير في الحياة اليومية | شك وعزلة وإهمال وكلام مفكك |

متى يكون التكلم مع النفس علامة مرض نفسي؟
يستدعي الأمر تقييمًا نفسيًا إذا لاحظت أنت أو أسرتك مع الكلام مع النفس علامات مثل: الرد على أصوات لا يسمعها غيره، أو الضحك أو الغضب دون سبب ظاهر، أو كلام مفكك يصعب فهمه، أو شك في الناس وإحساس بالمراقبة، أو عزلة وإهمال للنظافة والعمل. هذه قد تكون علامات ذهان أو فصام، أو ذهان ناتج عن المخدرات مثل الشابو والحشيش والكبتاجون. كما قد يكون الكلام المرتبك مع النفس لدى كبار السن علامة على مشكلة في الذاكرة تستحق الفحص.
كيف تتصرف؟
إذا كان التكلم مع النفس عادة هادئة تساعدك على التنظيم والتفكير فلا داعي للقلق ولا للخجل منها. أما إذا كان الحوار الداخلي قاسيًا يرهقك فالعلاج النفسي يساعدك على تغييره. وإذا صاحبته أصوات أو شك أو تغير واضح في السلوك، فالتقييم المبكر يصنع فرقًا كبيرًا في العلاج. ويمكنك البدء في العيادات الخارجية بإرادة، والاستشارة الأولى مجانية وسرية، ويتاح العلاج الداخلي للرجال حين تكون الأعراض شديدة.