«بطّلت الدوا لما حسيت إني بقيت كويس، وبعد يومين بقيت أحس كهربا في دماغي كل ما ألف راسي، ودوخة وعصبية». كثيرون يظنون في هذه اللحظة أن الاكتئاب عاد، أو أنهم «أدمنوا» الدواء. والحقيقة غالبًا أنها أعراض انسحاب مضادات الاكتئاب، وهي ظاهرة معروفة لها تفسير وحل.
ما هي أعراض انسحاب مضادات الاكتئاب؟
حين يتناول الإنسان مضادات الاكتئاب لأسابيع أو أشهر، يتكيف الدماغ مع وجودها. فإذا اختفى الدواء فجأة، يحتاج الجهاز العصبي وقتًا ليعيد ضبط نفسه، وخلال هذا الوقت تظهر أعراض التوقف. وتنص إرشادات المعهد الوطني البريطاني للصحة NICE لعام ٢٠٢٢ على أن هذه الأعراض قد تظهر عند التوقف المفاجئ، أو عند نسيان الجرعات، أو عدم أخذ الجرعة كاملة، وأنها لا تصيب الجميع وتختلف في نوعها وشدتها من شخص لآخر.
أعراض انسحاب مضادات الاكتئاب بالتفصيل: قاعدة FINISH
لخّص طبيب في رسالة نشرتها مجلة Journal of Clinical Psychiatry عام ١٩٩٨ أعراض التوقف في كلمة FINISH، وهي الحروف الأولى لست مجموعات من الأعراض:
إرهاق وصداع وآلام في العضلات والمفاصل وتعرق.
أرق، وأحلام واضحة أو مزعجة.
غثيان واضطراب في المعدة، وأحيانًا إسهال.
دوخة ودوار وعدم ثبات عند المشي أو تحريك الرأس.
إحساس يشبه الصدمات الكهربائية في الرأس أو الأطراف، ووخز وتنميل.
قلق وعصبية وتململ ونوبات بكاء أو هلع.

وتضيف الكلية الملكية البريطانية للأطباء النفسيين RCPsych أن تحريك الرأس جانبًا قد يزيد هذه «الصعقات»، وقد يشعر بعضهم بأن الأشياء غير حقيقية. وتذكر NICE أن أفكارًا انتحارية قد تظهر في حالات نادرة جدًا، وهو ما يستدعي التواصل مع الطبيب فورًا.
كم شخصًا يعاني أعراض الانسحاب؟
الأرقام محل نقاش علمي. فقد وجد تحليل جامع نشرته مجلة Lancet Psychiatry عام ٢٠٢٤، شمل ٧٩ دراسة ونحو ٢١ ألف مريض، أن ٣١٪ ممن أوقفوا مضاد الاكتئاب ظهر لديهم عرض واحد على الأقل، مقابل ١٧٪ ممن أوقفوا دواءً وهميًا. وبعد طرح الأثر غير النوعي قدّر الباحثون النسبة الفعلية بنحو ١٥٪، أي مريض من كل ٦ أو ٧، وكانت الأعراض الشديدة نحو ٣٪.
في المقابل، قدّرت مراجعة منهجية سابقة نُشرت في مجلة Addictive Behaviors عام ٢٠١٩ متوسط حدوث الأعراض بنحو ٥٦٪، وذكرت أن ٤٦٪ ممن عانوها في أربع دراسات كبيرة وصفوها بأشد درجة متاحة. والخلاصة العملية أن الأعراض شائعة بما يكفي ليُخطط للتوقف مسبقًا، دون أن تكون سببًا للخوف من بدء العلاج حين يحتاجه المريض.
أي مضادات الاكتئاب أكثر تسببًا في أعراض الانسحاب؟
- الأعلى خطرًا: تذكر NICE أن الباروكستين، ومن أشهر أسمائه التجارية سيروكسات، والفينلافاكسين، ومن أشهر أسمائه إفيكسور، أكثر ارتباطًا بأعراض الانسحاب وتحتاج حذرًا خاصًا.
- في التحليل الجامع لعام ٢٠٢٤: ارتبط الديسفينلافاكسين والفينلافاكسين والإيميبرامين والإسيتالوبرام بتكرار أعلى للأعراض، وارتبط الإيميبرامين والباروكستين والفينلافاكسين أو الديسفينلافاكسين بشدة أكبر.
- الأقل غالبًا: الفلوكستين (بروزاك)، لأن مفعوله يمتد طويلًا في الجسم، فيتناقص تدريجيًا من تلقاء نفسه، كما توضح NICE.
- تحتاج حذرًا أيضًا: الأدوية قصيرة عمر النصف عمومًا، ومنها الدولوكستين، ومضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات مثل أنافرانيل.
متى تبدأ أعراض انسحاب مضادات الاكتئاب وكم تستمر؟
بحسب NICE، قد تظهر الأعراض خلال أيام قليلة من خفض الجرعة أو التوقف، وتكون خفيفة غالبًا وتزول خلال أسبوع إلى أسبوعين. لكن الانسحاب قد يكون أصعب أحيانًا فتستمر الأعراض عدة أسابيع، وأحيانًا عدة أشهر، وقد تكون شديدة خاصة مع التوقف المفاجئ. وكانت مراجعة Addictive Behaviors لعام ٢٠١٩ قد وجدت أن نسبة معتبرة ممن يعانون الانسحاب تمتد أعراضهم أكثر من أسبوعين، وأن استمرارها عدة أشهر ليس نادرًا.
أعراض الانسحاب أم عودة الاكتئاب؟
هذا أهم سؤال، لأن الخلط بينهما قد يدفع إلى قرارات خاطئة. وتنص NICE على طمأنة من تظهر عليه أعراض الانسحاب بأنه لا يمر بانتكاسة، وأن الانتكاس لا يحدث عادة فور التوقف. وتساعد هذه الفروق التي توضحها RCPsych:
| وجه المقارنة | أعراض الانسحاب | عودة الاكتئاب |
|---|---|---|
| التوقيت | خلال أيام من التوقف أو خفض الجرعة | تدريجيًا بعد أسابيع أو أشهر غالبًا |
| نوع الأعراض | أعراض جديدة: دوخة، «كهرباء» في الرأس، أعراض شبيهة بالإنفلونزا | أعراض الاكتئاب الأصلية نفسها: حزن، فقدان متعة، يأس |
| وصف المريض | «عمري ما حسيت بكده قبل كده» | «رجعت لنفس الحالة القديمة» |
| عند إعادة الدواء | تتحسن بسرعة خلال ساعات أو أيام | تحتاج أسابيع كعادة مضادات الاكتئاب |
هل أعراض الانسحاب تعني أنني أدمنت الدواء؟
لا بالمعنى المعروف للإدمان. فمضادات الاكتئاب لا تعطي نشوة، ولا يسعى المريض إلى زيادة جرعتها طلبًا لأثرها، ولا يرتبط بها سلوك البحث القهري. لكن RCPsych توضح أن الجسم قد يعتمد جسديًا على الدواء فيتكيف معه، وأن الدواء لا يحتاج إلى أن يسبب نشوة ليُحدث هذا الاعتماد، تمامًا كما يحدث مع أدوية أخرى كثيرة. والفرق بين الإدمان والاعتماد وأعراض التوقف مشروح في دليل هل الأدوية النفسية تسبب الإدمان.
كيف يتم التوقف عن مضادات الاكتئاب بأمان؟
تنصح NICE من يريد التوقف بأن يتحدث أولًا مع الطبيب الذي وصف الدواء، وتوضح أن الأمر يحتاج عادة إلى خفض الجرعة على مراحل، وأن أغلب الناس يتوقفون بنجاح. ومدة الاستمرار المعتادة قبل التوقف مشروحة في دليل مضادات الاكتئاب. ومن المبادئ التي تذكرها NICE لخطة التوقف:
- أن يكون التخفيض على مراحل، وأصغر كلما اقتربت الجرعة من الصفر.
- أن يكون أبطأ مع الأدوية قصيرة المفعول ومع طول مدة العلاج.
- ألا يُنتقل إلى الخطوة التالية قبل أن تختفي الأعراض أو تصبح محتملة.
- أن تُحدد سرعة التوقف بالاتفاق مع المريض نفسه، وقد يستغرق الأمر أسابيع أو أشهرًا.
- إذا اشتدت الأعراض، قد يعيد الطبيب الجرعة السابقة ثم يخفضها بخطوات أصغر وأبطأ.
متى تتواصل مع الطبيب فورًا؟
تواصل مع الطبيب الذي وصف الدواء إذا لم تتحسن الأعراض أو ازدادت سوءًا، أو منعتك من العمل أو القيادة بأمان، أو إذا عاد الحزن واليأس بعد أسابيع من التوقف. وإذا ظهرت أفكار انتحارية فهذه حالة عاجلة: اتصل بالإسعاف ١٢٣ أو بخط الدعم النفسي ١٦٣٢٨. وإذا كان الاكتئاب مصحوبًا بتعاطي مواد أو مهدئات، ففي إرادة نقيّم الحالة كاملة ضمن برنامج التشخيص المزدوج، والاستشارة الأولى مجانية وسرية.