«ليه أنا بالذات؟ إخواتي اتربوا في نفس البيت ومحدش فيهم حصله كده». سؤال يطرحه كثير من المرضى وأسرهم، وأحيانًا يتحول إلى لوم: لوم النفس، أو لوم الأهل، أو لوم «العين». والعلم يقدم إجابة أهدأ وأدق: أسباب الأمراض النفسية شبكة من العوامل، لا متهم واحد.
لماذا لا يوجد سبب واحد للمرض النفسي؟
تشرح منظمة الصحة العالمية أن مجموعة متنوعة من العوامل الفردية والأسرية والمجتمعية والبنيوية قد تجتمع في أي وقت لتحمي الصحة النفسية أو تضعفها، وأن كثيرًا من عوامل الخطر والحماية تؤثر من خلال تغيرات في بنية الدماغ أو وظيفته. ويوضح المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية NIMH أن الاضطرابات الشائعة كالاكتئاب والقلق تنتج على الأرجح من مزيج من تجارب الحياة والبيئة والاختلافات الوراثية. ولهذا قد يمر شخصان بالظرف نفسه فيمرض أحدهما ولا يمرض الآخر.
أهم أسباب الأمراض النفسية وعوامل خطرها
تزيد القابلية لبعض الاضطرابات، لكن أغلب الجينات ترفع الخطر بمقادير صغيرة.
اختلاف في دوائر الدماغ ونواقله العصبية يتأثر بالجينات والتجارب.
الإساءة والإهمال والعنف الأسري من أقوى عوامل الخطر على المدى الطويل.
الفقد والطلاق والبطالة والحروب والكوارث قد تشعل المرض لدى من لديه قابلية.
قد تسبب أعراضًا نفسية مباشرة، أو تكشف اضطرابًا كامنًا، أو تزيده سوءًا.
إصابات الدماغ وأمراضه، واضطرابات الهرمونات، وبعض الأدوية، والولادة.

الوراثة: قابلية لا قدر
يقول NIMH إن معظم الاختلافات الجينية لا تسبب الاضطرابات النفسية مباشرة، وإن الجينات المرتبطة بها ترفع الخطر بمقادير ضئيلة في أغلب الأحوال، وإن وجود قريب من الدرجة الأولى مصاب قد يعني خطرًا أعلى لكنه لا يعني حتمية الإصابة. ولهذا لا تستطيع التحاليل الجينية حاليًا التنبؤ بدقة بخطر إصابتك باضطراب نفسي. وتجد تفاصيل كل اضطراب في صفحات أسبابه، مثل أسباب الاكتئاب وأسباب الفصام وأسباب ثنائي القطب.
الدماغ وكيمياؤه
تعمل الأفكار والمشاعر عبر شبكات من الخلايا العصبية تتواصل بنواقل كيميائية مثل السيروتونين والدوبامين وجابا. وتختلف طريقة عمل هذه الشبكات من شخص لآخر بفعل الجينات والتجارب معًا، فالضغط المزمن مثلًا يرفع هرمون الكورتيزول ويؤثر في النوم والمزاج. لكن عبارة «نقص كيمياء في المخ» تبسيط مخل، فالدماغ يتغير مع العلاج النفسي كما يتغير مع الدواء.
تجارب الطفولة الصعبة
في تحليل جامع نشر في مجلة لانسيت للصحة العامة عام ٢٠١٧، وشمل ٣٧ دراسة وأكثر من ٢٥٠ ألف مشارك، كان من مر بـأربع تجارب طفولة صعبة أو أكثر، كسوء المعاملة أو مشاهدة العنف الأسري، أكثر عرضة لكل النتائج الصحية المدروسة مقارنة بمن لم يمر بأي منها. وكانت العلاقة قوية مع اعتلال الصحة النفسية والإفراط في الكحول (نسب ترجيح بين ٣ و٦)، والأقوى مع التعاطي المضر للمخدرات والعنف تجاه الآخرين أو النفس (أكثر من ٧). وهذا لا يعني أن كل من عاش طفولة صعبة سيمرض، بل يعني أن الوقاية تبدأ من البيت.
الضغوط والصدمات وظروف الحياة
تذكر منظمة الصحة العالمية أن من يتعرضون لظروف معاكسة كالفقر والعنف والإعاقة وعدم المساواة أكثر عرضة للاضطرابات النفسية. وكثيرًا ما يأتي المرض بعد حدث كبير كوفاة عزيز أو انفصال أو فقدان عمل، فيكون الحدث هو الشرارة لا السبب الوحيد. وتجد الفرق بين التوتر العادي والمرض في صفحتي الضغط النفسي واضطراب ما بعد الصدمة.
المخدرات والكحول: سبب ونتيجة
تقول المعاهد الوطنية الأمريكية لتعاطي المخدرات NIDA إن كثيرًا ممن يصابون باضطرابات التعاطي يُشخَّصون أيضًا باضطرابات نفسية أخرى والعكس، وإنه بحسب المسح الوطني الأمريكي لعام ٢٠٢٣ كان ٣٥٪ من البالغين المصابين باضطراب نفسي يعانون أيضًا اضطراب تعاطٍ. وتوضح أن الاثنين يشتركان في عوامل خطر كالجينات والصدمات والضغوط. وتذكر NHS أن تعاطي المخدرات والكحول قد يثير الذهان، ومن صوره الذهان الناتج عن المخدرات. وحين يجتمع الاثنان يكون العلاج المناسب هو التشخيص المزدوج الذي يعالجهما معًا.
أمراض جسدية وأدوية قد تسبب أعراضًا نفسية
تذكر NHS أن الذهان قد يثيره مرض جسدي كورم في الدماغ أو الخرف، أو إصابة في الرأس، أو الآثار الجانبية لبعض الأدوية الموصوفة، أو الولادة. ولهذا يبدأ الطبيب النفسي الجيد بالفحص والتحاليل اللازمة قبل أن يحكم بأن الأعراض نفسية خالصة، خاصة إذا ظهرت فجأة في سن متأخرة.
ما ليس سببًا للمرض النفسي
- ضعف الإيمان: المؤمن يمرض نفسيًا كما يمرض جسديًا، والإيمان سند في التعافي لا بديل عن العلاج.
- ضعف الشخصية أو الدلع: الاضطراب النفسي حالة صحية لها أسباب، لا عيب في الأخلاق.
- سبب واحد في التربية: أخطاء الأهل قد تكون عامل خطر، لكنها نادرًا ما تفسر المرض وحدها، ولوم الأسرة لا يفيد العلاج.
- الكسل: انخفاض الطاقة والدافع كثيرًا ما يكون عرضًا في الاكتئاب لا سببًا له.
عوامل الحماية: ما الذي يقوي الصحة النفسية؟
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن أغلب الناس قادرون على الصمود رغم الظروف الصعبة، وأن المهارات العاطفية من عوامل الحماية الفردية. وعمليًا: علاقات داعمة، ونوم منتظم، ونشاط بدني، والابتعاد عن المخدرات والكحول، وطلب المساعدة مبكرًا. وفي إرادة يمكنك البدء باستشارة مجانية وسرية لتقييم حالتك، مع العلاج الخارجي أو الإقامة في مستشفى إرادة للطب النفسي للرجال حين تحتاجها الحالة.