لماذا يصاب الإنسان بالاكتئاب؟
يفسّر الأطباء الاكتئاب اليوم بما يُعرف بالنموذج الحيوي النفسي الاجتماعي: لكل شخص درجة من القابلية تحددها الوراثة والتكوين والتجارب المبكرة، وعندما تجتمع هذه القابلية مع ضغوط كافية قد تبدأ نوبة الاكتئاب.
ولهذا قد يمر شخصان بالظرف الصعب نفسه، فيتجاوزه أحدهما بعد فترة حزن، ويدخل الآخر في اكتئاب. والسبب أن مجموعة العوامل لدى الثاني مختلفة، وليس أنه أضعف. ولهذا أيضًا قد يصاب شخص «حياته مستقرة» بالاكتئاب، فيتعجب من حوله، مع أن السبب قد يكون بيولوجيًا في الأساس.
ما دور كيمياء الدماغ في الاكتئاب؟
لسنوات طويلة انتشرت فكرة أن الاكتئاب مجرد «نقص في السيروتونين». والحقيقة أن النواقل العصبية مثل السيروتونين والنورأدرينالين والدوبامين، إلى جانب الجلوتامات وجابا، تشارك في تنظيم المزاج، لكن الاكتئاب لا يُختزل في نقص مادة واحدة.
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن المشكلة تتعلق أكثر بطريقة تواصل شبكات الدماغ المسؤولة عن المشاعر والمكافأة والتفكير، وبقدرة الخلايا العصبية على التكيّف وبناء روابط جديدة، وهي قدرة تتأثر بالتوتر المزمن وتتحسن مع التعافي. ومن المناطق التي تدرسها الأبحاث قشرة الفص الجبهي والحُصين واللوزة الدماغية.
هل الاكتئاب وراثي؟
للوراثة دور واضح لكنه ليس حتميًا. فوجود قريب من الدرجة الأولى (أب أو أم أو أخ) يعاني الاكتئاب يرفع احتمال الإصابة، وتقدّر دراسات التوائم أن العوامل الوراثية تفسر نحو ثلث إلى ٤٠٪ تقريبًا من القابلية للاكتئاب الجسيم، بينما تفسّر البيئة والتجارب الباقي.
ولا يوجد «جين للاكتئاب»، بل مئات الجينات الصغيرة التأثير التي تجعل الشخص أكثر حساسية للضغوط. ولهذا لا تعني الوراثة أن أبناء المصاب سيمرضون حتمًا، بل تعني أهمية الانتباه المبكر وبيئة داعمة ومهارات صحية للتعامل مع الضغوط.
كيف تؤثر الهرمونات والتوتر المزمن والالتهاب؟
- محور التوتر: عند الضغط المستمر يفرز الجسم الكورتيزول لفترات طويلة، وقد يختل تنظيم هذا المحور لدى كثير من مرضى الاكتئاب، مما يؤثر في النوم والشهية والذاكرة.
- الهرمونات الأنثوية: التغيرات الهرمونية قبل الدورة وبعد الولادة وحول سن انقطاع الطمث قد تزيد القابلية لدى بعض النساء.
- الغدة الدرقية: قصور الغدة الدرقية قد يسبب أعراضًا تشبه الاكتئاب تمامًا.
- الالتهاب: وُجدت مؤشرات التهابية مرتفعة لدى نسبة من مرضى الاكتئاب، وهو ما قد يفسر جزئيًا ارتباطه بالأمراض المزمنة.
- النوم والإيقاع اليومي: اضطراب الساعة البيولوجية وقلة الضوء في الشتاء يرتبطان ببعض أنماط الاكتئاب.
ما العوامل النفسية وأنماط التفكير التي تمهّد للاكتئاب؟
طريقة تفسيرنا لما يحدث لنا تؤثر في مشاعرنا. وبعض الأنماط تجعل الشخص أكثر عرضة للاكتئاب عندما تشتد الضغوط:
تكرار التفكير في المشكلات والأخطاء دون الوصول إلى حل، وكأن العقل يدور في دائرة.
معايير مثالية مستحيلة، ولوم النفس على كل ما يسوء.
توقع الأسوأ دائمًا وتعميم الفشل: «فشلت مرة، يبقى أنا فاشل في كل حاجة».
الإحساس بأن القيمة الشخصية مرهونة برضا الآخرين أو بالإنجاز.
عدم التعبير عن الحزن أو الغضب، وتحمّل كل شيء في صمت.
هذه الأنماط عادات ذهنية تكونت غالبًا من تجارب سابقة، وليست عيوبًا في الشخصية، ويمكن تعلّم تغييرها، وهذا بالتحديد ما يستهدفه العلاج المعرفي السلوكي.
هل تسبب صدمات الطفولة والتجارب المؤلمة الاكتئاب؟
التجارب المؤلمة في الطفولة، مثل الإهمال العاطفي أو الإيذاء أو فقدان أحد الوالدين أو العيش في بيت يسوده العنف أو الإدمان، من أقوى العوامل المرتبطة بالاكتئاب لاحقًا. فالضغط الشديد المبكر قد يغيّر طريقة استجابة الجسم والدماغ للتوتر مدى الحياة.
وفي الكبر، قد تسبق نوبةَ الاكتئاب صدمةٌ أو حادث أو تجربة عنف، وقد يجتمع الاكتئاب مع اضطراب ما بعد الصدمة. لكن وجود صدمة لا يعني حتمية الإصابة، والعلاقات الآمنة والدعم المبكر يصنعان فرقًا كبيرًا.
ما ضغوط الحياة والعوامل الاجتماعية المرتبطة بالاكتئاب؟
- وفاة شخص عزيز أو الطلاق أو انتهاء علاقة مهمة.
- فقدان العمل والبطالة والضغوط المالية والديون.
- الوحدة والعزلة، وضعف شبكة الدعم الاجتماعي.
- الخلافات الزوجية والأسرية المستمرة.
- التنمر في المدرسة أو العمل، والتمييز والوصمة.
- رعاية مريض مزمن لفترات طويلة دون دعم.
- الهجرة والغربة والتغيرات الكبيرة في نمط الحياة.
وقد يأتي الاكتئاب أحيانًا بعد أحداث سعيدة ظاهريًا، مثل الترقية أو الانتقال أو الولادة، لأنها تحمل ضغوطًا وتغييرات كبيرة.
هل تسبب الأمراض الجسدية والأدوية الاكتئاب؟
نعم، وهذا جانب يغفله كثيرون. فبعض الأمراض ترتبط بالاكتئاب إما بتأثير مباشر على الدماغ والهرمونات أو بسبب عبء المرض نفسه:
| الفئة | أمثلة |
|---|---|
| أمراض الغدد والتمثيل الغذائي | قصور الغدة الدرقية، السكري، اضطرابات الغدة الكظرية |
| أمراض القلب والأوعية | الجلطات القلبية وقصور القلب، والسكتة الدماغية |
| أمراض الجهاز العصبي | مرض باركنسون، التصلب المتعدد، الصرع، إصابات الرأس |
| الألم والأمراض المزمنة | آلام الظهر المزمنة، الروماتيزم، السرطان |
| نقص بعض العناصر | فقر الدم، ونقص فيتامين ب١٢ أو حمض الفوليك، وتُدرس علاقة فيتامين د |
| بعض الأدوية | مثل الكورتيزون عند استخدامه لفترات طويلة، وأدوية أخرى قد يراجعها الطبيب |
هل يسبب الكحول والمخدرات الاكتئاب؟
الكحول والحشيش والمهدئات والأفيونات مثل الترامادول، وكذلك الهبوط بعد المنشطات، كلها قد تسبب أعراضًا اكتئابية أو تكشف اكتئابًا كامنًا وتزيده عمقًا. وتتفاعل هذه العلاقة في الاتجاهين، فالاكتئاب يدفع إلى التعاطي والتعاطي يعمّق الاكتئاب. والتفاصيل في صفحة الاكتئاب والإدمان.
ما الفرق بين المحفّز والسبب؟
المحفّز حدث يطلق النوبة، مثل فقدان عمل أو خلاف كبير، أما السبب فهو مجموعة العوامل التي جعلت الشخص قابلًا للإصابة أصلًا. ولهذا لا يكفي «حل المشكلة» لإنهاء الاكتئاب، فقد تُحل الأزمة ويبقى الاكتئاب لأن القابلية ما زالت موجودة. ومع تكرار النوبات قد تحتاج النوبات اللاحقة محفّزات أصغر لتبدأ، وهو ما يفسر أهمية منع الانتكاس.
ما عوامل الخطر وعوامل الحماية من الاكتئاب؟
| عوامل الخطر | عوامل الحماية |
|---|---|
| تاريخ عائلي للاكتئاب أو ثنائي القطب | علاقات أسرية وصداقات داعمة |
| نوبة اكتئاب سابقة | الاستمرار في خطة العلاج ومتابعة العلامات المبكرة |
| صدمات الطفولة والضغوط المزمنة | مهارات حل المشكلات والتعبير عن المشاعر |
| الأمراض المزمنة والألم | النشاط البدني المنتظم |
| تعاطي الكحول والمخدرات | الابتعاد عن المواد المخدرة |
| الوحدة والعزلة | الانتماء لمجتمع أو نشاط ذي معنى |
| قلة النوم واضطرابه | نوم منتظم وروتين يومي ثابت |

لماذا تزيد قابلية الاكتئاب في مراحل عمرية معينة؟
في المراهقة تجتمع تغيرات الهرمونات ونمو الدماغ مع ضغوط الدراسة والبحث عن الهوية والعلاقات مع الأقران، وقد يزيد التنمر والسهر الطويل أمام الشاشات وقلة النوم من القابلية. ولهذا تظهر النوبة الأولى لدى كثيرين بين أواخر المراهقة ومنتصف العشرينيات.
بعد الولادة يجتمع الهبوط الحاد في الهرمونات مع قلة النوم وأعباء رعاية المولود وتغير الأدوار. وفي الشيخوخة تتراكم الأمراض المزمنة والألم وفقدان الشريك والأصدقاء والتقاعد والوحدة، إلى جانب تغيرات في الأوعية الدموية الدقيقة بالدماغ قد ترتبط بما يسميه الباحثون «الاكتئاب الوعائي».
خرافات شائعة عن أسباب الاكتئاب
- «الاكتئاب سببه قلة الإيمان»: يصيب الاكتئاب المتدينين وغيرهم، والإيمان قد يكون مصدر دعم ومعنى لكنه ليس علاجًا بديلًا، ولا يعني المرض تقصيرًا روحيًا.
- «سببه الفراغ والدلع»: يصيب الاكتئاب المشغولين والناجحين، والفراغ قد يكون نتيجة الاكتئاب لا سببه.
- «سببه الحسد أو العين»: تفسيرات منتشرة ثقافيًا، لكنها تؤخر التشخيص والعلاج الفعّال إذا حلّت محله.
- «سببه سوء تربية الأهل»: البيئة مهمة، لكن الاكتئاب يصيب أبناء أسر محبة وداعمة أيضًا، ولوم الأهل لا يفيد أحدًا.