هل يوجد سبب واحد للتوحد؟
أول سؤال يطرحه الأهل بعد التشخيص غالبًا: «هل أخطأنا في شيء؟». والإجابة العلمية مريحة وواضحة: التوحد لا ينتج عن خطأ في التربية، ولا عن لحظة بعينها، بل عن تداخل عوامل وراثية كثيرة مع عوامل أثناء الحمل والولادة تؤثر في طريقة نمو الدماغ.
تقول منظمة الصحة العالمية إن الأدلة المتاحة تشير إلى عوامل كثيرة تجعل حدوث التوحد أكثر احتمالًا، بيئية ووراثية، وإن أسبابه الدقيقة لم تُحدد بعد. ويضيف دليل MSD أن السبب المحدد يظل غير معروف في أغلب الحالات، رغم الأدلة القوية على الدور الوراثي.
هل التوحد وراثي؟
نعم، الوراثة أقوى العوامل المعروفة. ففي دراسة نشرتها مجلة JAMA Psychiatry عام ٢٠١٩ على أكثر من مليوني شخص في ٥ دول، قُدّرت نسبة التوريث بنحو ٨٠٪. ومعنى ذلك أن معظم الاختلاف في احتمال التوحد بين الناس يفسَّر بعوامل وراثية، لا أن ٨٠٪ من الأطفال ورثوه عن أحد الوالدين مباشرة.
ولا يوجد «جين التوحد» واحد؛ فبحسب كليفلاند كلينك ترتبط به تغيرات في جينات كثيرة، قد تكون موروثة من الوالدين أو تظهر لأول مرة لدى الطفل دون أن يحملها أي منهما. ولهذا قد يولد طفل توحدي لأسرة لا تعرف أي حالة مشابهة.
يختلف الرقمان الأخيران لأن الدراسات السكانية تعتمد على السجلات الطبية، بينما تابعت دراسة الإخوة الرضع، المنشورة في مجلة Pediatrics عام ٢٠٢٤، الأطفال عن قرب حتى سن ٣ سنوات فاكتشفت حالات أكثر. وكان الاحتمال أعلى لدى الأولاد، ولمن لديهم أكثر من أخ توحدي، ولمن لديهم أخت توحدية. وخلاصة الأمر أن الإخوة الأصغر يحتاجون متابعة دقيقة لنموهم وتقييمًا مبكرًا عند أي قلق.
حالات وراثية وطبية معروفة ترتبط بالتوحد
في نسبة من الأطفال يظهر التوحد ضمن حالة طبية أو وراثية محددة. ويذكر دليل MSD منها: متلازمة الكروموسوم X الهش، والتصلب الحدبي، وبيلة الفينيل كيتون، والحصبة الألمانية الخلقية التي تصيب الجنين إذا أصيبت بها الأم أثناء الحمل، وعدوى الفيروس المضخم للخلايا. ولهذا قد يطلب الطبيب تحاليل وراثية واستقلابية بعد التشخيص؛ فهي لا تشخّص التوحد، لكنها قد تكشف سببًا قابلًا للعلاج أو مهمًا لتخطيط الحمل القادم.
عوامل أثناء الحمل والولادة
تذكر منظمة الصحة العالمية عوامل وُجدت بصورة أكثر لدى الأطفال التوحديين أو والديهم:
الإنجاب في سن متقدمة للأب أو الأم يرتبط بزيادة الاحتمال.
سكري الأم أثناء الحمل من العوامل المرتبطة بالتوحد.
يرتفع الاحتمال كلما كانت الولادة أبكر، ومعها انخفاض وزن المولود.
مثل نقص الأكسجين عن الجنين أثناء الحمل أو الولادة.
التعرض للفالبروات والكاربامازيبين أثناء الحمل يرتبط بالتوحد.
التعرض لها أثناء الحمل من العوامل التي رصدتها الدراسات.

هذه العوامل ارتباطات إحصائية تزيد الاحتمال قليلًا ولا تعني الحتمية، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن فهم دور كل منها وتفاعله مع الوراثة يحتاج مزيدًا من البحث.
ماذا يحدث في دماغ الطفل التوحدي؟
يرى دليل MSD أن اختلافات في بنية الدماغ ووظيفته تكمن على الأرجح وراء معظم حالات التوحد، وقد رُصدت اختلافات في المخيخ واللوزة الدماغية والحُصين والقشرة الأمامية ونوى جذع الدماغ. وهذا الاختلاف لا يرجع إلى «تلف» حدث بعد الولادة، فهو طريقة مختلفة في نمو الشبكات المسؤولة عن التواصل ومعالجة الحواس والمرونة، تبدأ في مراحل النمو المبكرة.
هل التطعيمات تسبب التوحد؟
لا. تؤكد منظمة الصحة العالمية أن أبحاثًا واسعة بطرق مختلفة على مدى سنوات أثبتت أن تطعيم الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية لا يسبب التوحد، وأن الدراسة التي فُسّرت على أنها تربط بينهما ثبت خطؤها وتلاعبها، فسحبتها المجلة وفقد كاتبها رخصته الطبية. وتضيف أن التطعيمات الأخرى، ومكونات مثل الثيومرسال والألومنيوم، لا ترفع خطر التوحد.
ومن أكبر الأدلة دراسة دنماركية نشرتها مجلة Annals of Internal Medicine عام ٢٠١٩، تابعت ٦٥٧٤٦١ طفلًا، ولم تجد زيادة في خطر التوحد بعد التطعيم، حتى لدى الأطفال الذين لديهم أخ توحدي أو عوامل خطر أخرى. ويتزامن ظهور العلامات مع موعد التطعيم أحيانًا لأن الاثنين يحدثان في العمر نفسه، لا لأن أحدهما يسبب الآخر.
هل الباراسيتامول أثناء الحمل يسبب التوحد؟
أثير هذا السؤال على نطاق واسع في ٢٠٢٥. وفي بيان صدر في ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٥، أكدت منظمة الصحة العالمية أنه لا يوجد دليل علمي حاسم يؤكد علاقة استخدام الباراسيتامول (الأسيتامينوفين) أثناء الحمل بالتوحد، وأن أبحاثًا واسعة خلال العقد الماضي لم تثبت ارتباطًا متسقًا. وتنصح المنظمة الحوامل باتباع إرشاد أطبائهن، وباستخدام أي دواء بحذر، خاصة في الأشهر الثلاثة الأولى.
أسباب شائعة لا يدعمها العلم
- برود الأم أو قلة الحنان: نظرية قديمة ثبت خطؤها، وتؤكد NHS أن التوحد شيء يولد به الإنسان.
- الشاشات والموبايل: لا دليل على أنها تسبب التوحد نفسه، لكن الإفراط فيها في السنوات الأولى يقلل الكلام والتفاعل، وقد يُخلط ذلك بالتوحد، فيحتاج الطفل تقييمًا لا تخمينًا.
- الطعام والجلوتين والحليب: لا تسبب التوحد، والحميات الخالية منها لم تثبت فائدتها في علاجه وفق دليل MSD.
- الحسد أو المس: تفسيرات تؤخر التقييم والدعم في سنوات هي الأثمن في عمر الطفل.
هل يمكن الوقاية من التوحد؟
لا توجد طريقة مثبتة تمنع التوحد، لأن معظم أسبابه وراثية. لكن رعاية الحمل الجيدة، وضبط السكري، ومراجعة الأدوية مع الطبيب قبل الحمل، والمتابعة المنتظمة للولادة، كلها تحمي صحة الأم والطفل عمومًا. والأهم من الوقاية هو الاكتشاف المبكر، خاصة لإخوة الطفل التوحدي. اطّلع على العلامات في صفحة أعراض التوحد، وعلى خطوات التقييم في صفحة تشخيص التوحد.
نوبة تشنج أو إيذاء شديد للنفس أو أفكار انتحارية؟ اطلب المساعدة الآن
- نوبة تشنج تحدث لأول مرة، أو تستمر أكثر من ٥ دقائق، أو لا يفيق الشخص بعدها كالمعتاد
- ضرب الرأس أو العض أو إيذاء النفس بشدة حتى الإصابة أو النزيف، دون قدرة على تهدئته
- خروج الطفل من البيت أو ضياعه وهو لا يدرك خطر الطريق أو الماء
- حديث المراهق أو البالغ عن الموت أو الانتحار أو أنه «عبء» على أسرته
- تراجع مفاجئ وسريع في الكلام أو المشي أو الوعي، أو رفض تام للأكل والشرب
حافظ على هدوئك، وأبعد الأشياء الخطرة والأدوية من حوله، ولا تقيّده بالقوة إلا لمنع إصابة واضحة، وخفف الضوء والضوضاء قدر استطاعتك. أثناء التشنج ضعه على جانبه بعيدًا عن الحواف الصلبة ولا تضع شيئًا في فمه. اتصل بالإسعاف على ١٢٣ أو اذهب إلى أقرب طوارئ، وإذا تحدث المراهق أو البالغ عن الانتحار فلا تتركه وحده، واسأله بهدوء واستمع إليه، واتصل بخط الدعم النفسي ١٦٣٢٨ (٢٤ ساعة).
الإسعاف ١٢٣ خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨