«أخويا مش مريض عقلي، ده بس تعبان نفسيًا». جملة تقولها أسر كثيرة دفاعًا عن ابنها، وكأن «العقلي» وصمة و«النفسي» أخف. فهل يوجد فعلًا فرق بين المرض النفسي والعقلي؟ وأين تقع أمراض الأعصاب والإعاقة الذهنية من الاثنين؟
الفرق بين المرض النفسي والعقلي في الطب الحديث
لا يميز الطب النفسي الحديث بين «نفسي» و«عقلي». فمنظمة الصحة العالمية تستخدم مصطلحًا واحدًا هو الاضطراب النفسي (Mental disorder)، وتعرفه بأنه خلل ملحوظ سريريًا في إدراك الشخص أو تنظيم مشاعره أو سلوكه، يصاحبه عادة ضيق أو تعطل في جوانب مهمة من الحياة. وتشمل هذه الفئة القلق والاكتئاب وثنائي القطب والفصام واضطرابات الأكل وغيرها، دون فصل بين «نفسي» و«عقلي».
والكلمة الإنجليزية Mental تُترجم إلى العربية أحيانًا «نفسي» وأحيانًا «عقلي»، ومن هنا جاء الالتباس. ولهذا يفضل الأطباء تسمية الاضطراب المحدد بدلًا من الوصف العام.
ماذا يقصد الناس بالمرض العقلي والمرض النفسي؟
في الاستخدام الشائع في مصر والعالم العربي:
- «المرض النفسي» يُقصد به غالبًا القلق والاكتئاب والوسواس والضغط، أي ما يبقى فيه الشخص مدركًا لواقعه.
- «المرض العقلي» يُقصد به غالبًا الذهان والفصام ونوبات الهوس الشديدة، أي ما يضطرب فيه إدراك الواقع.
- وأحيانًا يُستخدم «العقلي» خطأً لوصف الإعاقة الذهنية أو الخرف.
وهذا التقسيم الشائع يشبه التفرقة القديمة بين العصاب والذهان، لكنه غير دقيق، لأن اكتئابًا شديدًا مصحوبًا بأفكار انتحارية قد يكون أخطر بكثير من حالة ذهانية مستقرة بالعلاج.
الشدة هي الفرق الحقيقي
بدلًا من «نفسي» و«عقلي» يستخدم المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية NIMH تقسيمًا بحسب الشدة: أي مرض نفسي (AMI) ويشمل كل الاضطرابات النفسية والسلوكية والانفعالية مهما كانت شدتها، والمرض النفسي الشديد (SMI) وهو الاضطراب الذي يسبب تعطلًا وظيفيًا خطيرًا يحد من نشاط أو أكثر من أنشطة الحياة الأساسية.
وبحسب تقديرات NIMH لعام ٢٠٢٢ في الولايات المتحدة، عاش ٢٣٫١٪ من البالغين مع مرض نفسي من أي درجة، بينما كانت نسبة المرض النفسي الشديد ٦٪. أي أن أغلب الاضطرابات النفسية لا تصل إلى درجة الشدة التي يتخيلها الناس حين يسمعون كلمة «عقلي».
الفرق بين المرض النفسي والعصبي والإعاقة الذهنية
| الاضطراب النفسي | مرض الأعصاب | الإعاقة الذهنية | |
|---|---|---|---|
| ما الذي يتأثر؟ | التفكير والمشاعر والسلوك | الدماغ والأعصاب كعضو: حركة أو إحساس أو وعي | القدرات الذهنية ومهارات الحياة منذ الصغر |
| أمثلة | الاكتئاب والقلق والفصام | الجلطات والصرع والصداع النصفي والخرف | متلازمة داون وبعض حالات نقص الأكسجين عند الولادة |
| البداية | في أي عمر، وأغلبها في الشباب | في أي عمر، وبعضها يزيد مع التقدم في السن | قبل الولادة أو أثناءها أو في الطفولة المبكرة |
| المختص | الطبيب النفسي والمعالج النفسي | طبيب المخ والأعصاب | فريق تأهيل وتعليم ودعم أسري |

تقول منظمة الصحة العالمية إن أكثر من ٣ مليارات شخص عاشوا مع حالة عصبية عام ٢٠٢١، وإن أكثرها تأثيرًا على الصحة كانت الجلطات وإصابة دماغ حديثي الولادة والصداع النصفي والخرف واعتلال الأعصاب السكري. أما الإعاقة الذهنية فتوضح NHS أنها تعني صعوبة في فهم المعلومات المعقدة وتعلم بعض المهارات والاعتماد على النفس، وتنتج غالبًا عن تأثر نمو الدماغ قبل الولادة أو أثناءها أو في الطفولة المبكرة، وأن كثيرًا من أصحابها يعملون ويتزوجون ويعيشون مستقلين.
حين تتداخل الفئات
الحدود ليست دائمًا حادة. فالخرف مرض عصبي قد يبدأ بأعراض نفسية كالاكتئاب أو الهلاوس، ومريض الصرع قد يصاب بالاكتئاب، وأمراض الدماغ قد تسبب ذهانًا كما تذكر NHS. وتصنف منظمة الصحة العالمية التوحد وفرط الحركة وتشتت الانتباه والإعاقة الذهنية تحت «الاضطرابات النمائية العصبية»، وهي جسر بين الطب النفسي وطب الأعصاب. وكذلك الاضطراب التحويلي الذي تظهر فيه أعراض عصبية حقيقية دون تلف في الأعصاب.
كيف يتعامل القانون المصري مع المرض النفسي والعقلي؟
لا يفرق القانون المصري الحديث بينهما في الحماية. فالقانون رقم ٧١ لسنة ٢٠٠٩ يحمل اسم «قانون رعاية المريض النفسي»، والمادة ٦٢ من قانون العقوبات بعد تعديلها بهذا القانون تتحدث عن الشخص الذي يعاني «اضطرابًا نفسيًا أو عقليًا» أفقده الإدراك أو الاختيار، كما نشر نصها موقع برلماني. وتفاصيل حقوق المريض داخل المنشآت النفسية تجدها في دليل التعامل مع المريض النفسي.
لماذا يضر التفريق الشائع بين «نفسي» و«عقلي»؟
حين تصبح كلمة «عقلي» وصمة، تتأخر الأسر في علاج الذهان حتى تشتد الحالة، وتحاول إقناع نفسها بأن ابنها «تعبان نفسيًا بس». وحين يُعد «النفسي» أمرًا بسيطًا، يُهمَل اكتئاب قد ينتهي بأفكار انتحارية. وتذكر منظمة الصحة العالمية أن كثيرًا من المصابين باضطرابات نفسية يواجهون الوصمة والتمييز، وأن أغلبهم لا يحصلون على رعاية فعالة. والتسمية الدقيقة أول خطوة نحو العلاج الصحيح.
من يعالج ماذا؟
- الطبيب النفسي: يشخص الاضطرابات النفسية بكل درجاتها ويصف الأدوية ويتابعها.
- المعالج أو الأخصائي النفسي: يقدم العلاج بالكلام مثل العلاج المعرفي السلوكي، ولا يصف أدوية.
- طبيب المخ والأعصاب: يعالج الصرع والجلطات والصداع وأمراض الأعصاب الطرفية والخرف بالتعاون مع الطب النفسي.
- فرق التأهيل: تدعم ذوي الإعاقة الذهنية في التعلم والعمل والاستقلال.
وفي إرادة يضم الفريق الطبي أطباء نفسيين ومعالجين، والاستشارة الأولى مجانية وسرية، ويمكن أن تبدأ بها حتى لو لم تكن متأكدًا من نوع المشكلة، ليوجهك الطبيب إلى التخصص المناسب. وعند الحاجة إلى إقامة يوفر مستشفى إرادة للطب النفسي برنامجًا علاجيًا للرجال.