هل الاكتئاب عند الرجال مختلف؟
«أنا مش مكتئب، أنا بس مضغوط ومش طايق حد». بهذه الجملة يدخل كثير من الرجال العيادة، وغالبًا بعد إلحاح من الزوجة أو الأم. فالرجل في مجتمعاتنا تعلّم منذ صغره أن «الرجالة ما بتعيطش»، فيعبّر عن ألمه بلغة أخرى: عصبية، أو سهر، أو عمل بلا توقف، أو سيجارة وكوب وحبوب.
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب أصاب في عام ٢٠٢٣ نحو ٤٫١٪ من الرجال البالغين مقابل ٦٫٢٪ من النساء. لكن هذا الفرق قد يخفي جزءًا من الحقيقة، لأن معايير التشخيص التقليدية تركز على الحزن والبكاء والذنب، وهي أعراض يخفيها كثير من الرجال أو لا يشعرون بها بهذا الشكل أصلًا.
ما علامات الاكتئاب عند الرجال؟
انفجارات على الزوجة والأولاد أو في العمل لأسباب بسيطة.
زيادة الشرب أو المهدئات أو الترامادول أو الحشيش «علشان يفصل».
قيادة متهورة، أو قرارات مالية مندفعة، أو شجار.
ساعات عمل بلا توقف أو انشغال دائم يمنع التفكير.
قلة الكلام في البيت، والجلوس وحده طويلًا أمام الهاتف أو التلفاز.
إرهاق وصداع وآلام وضعف في الرغبة أو الأداء الجنسي.

وهذه العلامات تضاف إلى الأعراض المعروفة في دليل أعراض الاكتئاب، مثل فقدان المتعة واضطراب النوم والشهية وضعف التركيز.
الاكتئاب عند الرجال والإدمان: تسكين يتحول إلى مشكلة
كثير من الرجال لا يقولون «أنا حزين»، بل يبحثون عن شيء يُسكت الشعور. وتذكر منظمة الصحة العالمية أن الصلة بين الانتحار والاضطرابات النفسية، خاصة الاكتئاب واضطرابات تعاطي الكحول، ثابتة في الدول مرتفعة الدخل. والتعاطي هنا يعمّق الاكتئاب بدل علاجه، ويضيف مشكلات النوم والعمل والأسرة.
ومن أشيع ما نراه في مصر رجل بدأ الترامادول «علشان يقدر يشتغل»، أو الحشيش «علشان ينام»، ثم وجد نفسه أمام اكتئاب وإدمان معًا. وهذا ما يسمى التشخيص المزدوج، ويشرحه دليل الاكتئاب والإدمان بالتفصيل.
لماذا يكون الخطر أعلى لدى الرجال؟
بحسب إحصاءات المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية NIMH، كان معدل الانتحار بين الذكور في الولايات المتحدة عام ٢٠٢٣ نحو أربعة أضعاف معدله بين الإناث. ويرتبط ذلك بعوامل متشابكة، منها تأخر طلب المساعدة، والتعاطي، والاندفاع، والعزلة.
وتذكر منظمة الصحة العالمية أن كثيرًا من حالات الانتحار تحدث بشكل اندفاعي في لحظات أزمة، مثل المشكلات المالية أو الخلافات أو الألم المزمن. ولهذا فإن أي حديث عن الموت أو أن الأسرة «هترتاح من غيره» يستحق التعامل الجاد فورًا.
الاكتئاب والعمل والدور في الأسرة
تذكر منظمة الصحة العالمية أن من مروا بأحداث حياتية صعبة، مثل البطالة أو الفقد أو الصدمات، أكثر عرضة للاكتئاب، وأن الاكتئاب بدوره قد يزيد الضغوط ويعمّق المشكلة. ولأن الرجل في بيوت كثيرة هو العائل، فإن فقدان العمل أو التعثر المالي قد يضرب إحساسه بقيمته في الصميم.
وقد يظهر الأثر في البيت على شكل غياب عاطفي، أو خلافات متكررة، أو تراجع في العلاقة الزوجية. وهنا يفيد أن تعرف الزوجة أن ما تراه قد يكون مرضًا قابلًا للعلاج، لا رفضًا لها أو للأسرة. وإذا كان إدمان العمل هو الصورة الغالبة، فقد يكون هروبًا من الشعور أكثر منه طموحًا.
كيف تقنع رجلًا مكتئبًا بطلب المساعدة؟
- تحدث عن التغيير الملموس لا عن «المرض»: «بقالك فترة مش بتنام ومتعصب، وده مش أنت».
- اربط العلاج بما يهمه: صحته، شغله، أولاده، قدرته على التركيز.
- قدّم الزيارة كفحص شامل أو استشارة للنوم والإرهاق إذا كانت كلمة «نفسي» تخيفه.
- أكّد السرية، فكثير من الرجال يخشون أن يعرف زملاؤهم أو أقاربهم.
- لا تجادله وهو غاضب أو تحت تأثير مادة، وأجّل الحديث لوقت هادئ.
وللمزيد من الخطوات العملية مع الرفض، اقرأ كيف تقنع المريض بالعلاج.
كيف يُعالج الاكتئاب عند الرجال؟ ودور إرادة
العلاج هو نفسه في جوهره: علاج نفسي منظم كالعلاج المعرفي السلوكي، ومضادات اكتئاب يصفها الطبيب عند الحاجة، مع علاج أي تعاطٍ مصاحب. وتفاصيل الخيارات في علاج الاكتئاب. ولا تبدأ أي دواء أو توقفه دون طبيب.
وفي مستشفى إرادة نستقبل الرجال في برنامج الإقامة العلاجية حين يحتاج الاكتئاب إلى رعاية مكثفة، خاصة إذا اجتمع مع إدمان يحتاج سحبًا آمنًا تحت إشراف طبي، ضمن برنامج التشخيص المزدوج. والاستشارة الأولى مجانية وسرية تمامًا.
أفكار انتحارية أو خطر على النفس؟ اطلب المساعدة الآن
- حديث عن الموت أو أن الحياة لا تستحق، أو أن الأسرة «هترتاح من غيره»
- توديع الأهل أو توزيع المتعلقات أو كتابة وصية فجأة
- هدوء مفاجئ غريب بعد فترة يأس شديد
- التوقف عن الأكل والشرب أو العناية بالنفس تمامًا
- زيادة مفاجئة في الشرب أو التعاطي أو التصرفات المتهورة
ابقَ مع الشخص ولا تتركه وحده، واسأله بهدوء ووضوح إن كان يفكر في إيذاء نفسه؛ فالسؤال لا يزرع الفكرة بل يفتح باب الحديث. استمع دون لوم أو محاضرة، وأبعد الأدوية والأدوات الخطرة عن متناوله بهدوء. اتصل بالإسعاف ١٢٣ أو اذهب إلى أقرب طوارئ إذا كان الخطر وشيكًا، وتواصل مع خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨ على مدار الساعة.
الإسعاف ١٢٣ خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨