ما المقصود بالحشيش والشك؟
«كل ما أشرب أحس إن الناس في القهوة بتبصلي، وإن فيه حد بيراقب تليفوني». جملة يقولها كثير من المتعاطين، وبعضهم يضحك عليها في اليوم التالي، وبعضهم لا يضحك أبدًا. والسؤال عن الحشيش والشك سؤال جاد، لأن الفرق بين إحساس عابر ويقين دائم قد يكون الفرق بين جلسة سيئة ومرض نفسي.
البارانويا، أو الارتياب، هي الاعتقاد بأن الآخرين يقصدون إيذاءك أو يراقبونك أو يتآمرون عليك دون دليل كافٍ. وتوضح جمعية Mind البريطانية للصحة النفسية أن الأفكار الارتيابية تتدرج من شكوك خفيفة يعرفها كثير من الناس إلى معتقدات راسخة تسيطر على الحياة. ويشرح دليل البارانويا الحالة عمومًا.
ويعرض قسم في أضرار الحشيش هذا الأثر باختصار، أما هنا فنتعمق: كيف يصنع الحشيش الشك؟ ومن الأكثر عرضة؟ ومتى يزول؟ ومتى يتحول إلى ما يحتاج علاجًا؟
كيف يصنع الحشيش الشك؟
المادة المسؤولة هي THC، المكون النفسي الأساسي في الحشيش. وفي أكبر تجربة من نوعها نشرتها مجلة Schizophrenia Bulletin عام ٢٠١٥، شارك ١٢١ شخصًا لديهم ميل للأفكار الارتيابية، وقيس الشك في مواقف اجتماعية حقيقية وفي الواقع الافتراضي. وكشفت التجربة أن الشك لم ينشأ من ضعف الذاكرة، بل من أمرين اجتمعا:
- مشاعر سلبية: قلق وهم وأفكار سلبية عن النفس، تجعل العقل يتوقع الخطر.
- تجارب إدراكية غريبة: أصوات أعلى من المعتاد، وألوان وأحاسيس تبدو «مختلفة»، فيبحث العقل عن تفسير، وأقرب تفسير لعقل قلق هو أن شيئًا مريبًا يحدث.
والمهم عمليًا أن إخبار المشاركين مسبقًا بأن هذه آثار المادة لم يحمهم كثيرًا من الشك. أي أن «أنا عارف إنه تأثير الحشيش» لا تكفي دائمًا لإيقاف الإحساس.
من الأكثر عرضة للشك مع الحشيش؟
كلما ارتفع تركيز THC زاد احتمال الشك والذهان.
التعاطي المتكرر يرفع الخطر أكثر من التعاطي المتقطع.
الدماغ الذي ما زال ينمو أكثر حساسية لأثر الحشيش.
الأرق نفسه يزيد الأفكار الارتيابية.
وجود ذهان أو فصام في الأسرة يرفع القابلية.
الاستروكس والفودو أقوى وأخطر نفسيًا من الحشيش الطبيعي.

وفي دراسة أوروبية كبيرة نشرتها مجلة Lancet Psychiatry عام ٢٠١٩ على ٩٠١ مريض بأول نوبة ذهان و١٢٣٧ شخصًا من عموم السكان في ١١ موقعًا، قدّر الباحثون أن غياب الأصناف عالية التركيز كان يمكن أن يمنع نحو ١٢٪ من حالات الذهان الجديدة في هذه المواقع، وارتبطت معدلات الذهان في كل مدينة بانتشار التعاطي اليومي والأصناف القوية فيها.
شك عابر أم بارانويا أم ذهان؟
ليس كل شك مع الحشيش مرضًا، لكن هناك درجات يجب التمييز بينها:
- شك عابر أثناء الأثر: إحساس بالمراقبة يزول مع انتهاء الجلسة، ويعترف صاحبه لاحقًا بأنه كان مبالغًا فيه.
- شك متكرر بين الجلسات: حذر زائد وانسحاب من الناس وتفسير الكلام العادي على أنه موجه ضده، حتى دون تعاطٍ.
- غيرة أو اتهامات ثابتة: يقين بأن الزوجة تخون أو أن الأسرة تتآمر، وهنا تفيد صفحة الغيرة المرضية.
- ذهان: يقين لا يتزحزح مع هلاوس أو كلام غير مترابط أو سلوك غريب، ويحتاج تقييمًا عاجلًا كما تشرح صفحة الذهان الناتج عن المخدرات.
وفي تحليل تجميعي نُشر عام ٢٠٢٠، تحولت ٣٤٪ من حالات الذهان الناتج عن الحشيش لاحقًا إلى فصام، وهي النسبة الأعلى بين المواد المختلفة. ولذلك لا يُعامل الذهان بعد الحشيش على أنه «تأثير وهيروح» دون متابعة.
هل يزول الشك بعد ترك الحشيش؟
الشك العابر يزول غالبًا بانتهاء الأثر. أما الشك المتكرر فيتحسن عادة خلال أسابيع من التوقف، لكن الأيام الأولى قد تحمل قلقًا وعصبية وأرقًا ضمن أعراض انسحاب الحشيش، وهي أعراض قد تزيد الشك مؤقتًا. ولذلك يحتاج التوقف إلى متابعة، لا إلى الصبر وحده.
وإذا استمر الشك بعد أسابيع من التوقف، أو ظهر قبل التعاطي أصلًا، فقد يكون هناك اضطراب نفسي مستقل يحتاج تشخيصًا، مثل اضطراب ذهاني أو اضطراب الشخصية الارتيابية أو اكتئاب بأعراض ذهانية.
لماذا يهم النوم في علاج الشك؟
كثير من متعاطي الحشيش ينامون على الحشيش، ثم يعانون الأرق حين يتوقفون. وفي تجربة بريطانية نشرتها مجلة Lancet Psychiatry عام ٢٠١٧ على ٣٧٥٥ طالبًا جامعيًا، أدى علاج الأرق بالعلاج المعرفي السلوكي الرقمي إلى تقليل الأرق، ومعه تقليل الأفكار الارتيابية والهلاوس، وكان تحسن النوم هو ما يفسر التحسن. وهذا يعني أن علاج النوم جزء من علاج الشك، لا رفاهية.
علاج الشك المرتبط بالحشيش
يعتمد العلاج على الدرجة:
- التوقف عن الحشيش بكل أنواعه، مع علاج الانسحاب والأرق.
- العلاج المعرفي للشك: في تجربة بريطانية نُشرت عام ٢٠٢١ على ١٣٠ مريضًا يعانون ضلالات اضطهادية مستمرة، قلل برنامج علاج معرفي مخصص قوة الاقتناع بالضلالات وشدتها أكثر من جلسات الدعم العادية.
- الأدوية: إذا وُجد ذهان، يصف الطبيب مضادات الذهان حسب الحالة، ولا تبدأ أو توقف أي دواء دون طبيب.
- علاج الإدمان نفسه: عبر خطة علاج إدمان الحشيش، لأن العودة للتعاطي تعيد الشك.
وتعرض صفحة علاج البارانويا الخيارات بالتفصيل.
إذا كان قريبك يشك فيك بعد الحشيش
لا تحاول إثبات براءتك بالجدال، ولا تسخر من أفكاره، ولا تؤكدها لتهدئته. تحدث بصوت هادئ، وقلل الضوضاء والأشخاص حوله، وأجّل النقاش حتى يهدأ. وتقدم صفحة التعامل مع مدمن الحشيش خطوات عملية للأسرة.
علامات الخطر المرتبطة بالحشيش: اتصل بالإسعاف ١٢٣ فورًا
- هلاوس أو شك شديد مع تهديد للنفس أو للآخرين.
- حديث عن الموت أو إيذاء النفس.
- ألم في الصدر أو خفقان شديد أو إغماء.
- قيء متكرر لا يتوقف مع جفاف.
- تشنجات أو فقدان وعي، خاصة إذا كان «الحشيش» صناعيًا أو مخلوطًا.
اتصل بالإسعاف على ١٢٣ فورًا، وإذا كان الشخص فاقد الوعي ويتنفس فضعه على جانبه حتى لا يختنق بالقيء، وابقَ معه ولا تتركه وحده، ولا تعطه طعامًا أو شرابًا، وأخبر المسعفين بكل ما تناوله أو تعاطاه وبالكمية والوقت إن عرفتها.
اتصل بالإسعاف ١٢٣