من أين تبدأ في التعامل مع مريض الذهان؟
«من أسبوع بطّل ينام، وبقى يقول إن التليفون بيتراقب وإن في ناس عايزة تأذيه، ولما حاولنا نهديه زعق فينا». هكذا تصف أسر كثيرة اللحظة التي تبدأ فيها النوبة. وأول قاعدة في التعامل مع مريض الذهان أن ما يعيشه يبدو له حقيقيًا تمامًا، وأن خوفه صادق حتى لو كان سببه غير واقعي.
الذهان، كما تصفه هيئة الخدمات الصحية البريطانية NHS، حالة يفقد فيها الشخص جزءًا من صلته بالواقع، فيسمع أو يرى ما لا يدركه غيره، أو يقتنع بأفكار لا يشاركه فيها أحد. وتفاصيل المرض نفسه وأسبابه تجدها في دليل الذهان. أما هنا فنركز على سؤال الأسرة العملي: ماذا نقول؟ وماذا نفعل؟ ومتى نطلب المساعدة؟
حين تلاحظ العلامات الأولى: كيف تفتح الحديث؟
تذكر NIMH أن السلوك يتغير غالبًا قبل أن يظهر الذهان الصريح، ومن العلامات المبكرة التي تذكرها: الشك والارتياب في الآخرين، والانعزال، واضطراب النوم، وإهمال النظافة الشخصية، وصعوبة التفكير بوضوح، وتراجع مفاجئ في الدراسة أو العمل. وتنصح بالتواصل مع مختص إذا اشتدت هذه التغيرات أو لم تختفِ.
في هذه المرحلة يكون الحديث أسهل مما سيكون عليه لاحقًا. اختر وقتًا هادئًا ومكانًا خاصًا، وابدأ بما لاحظته أنت لا بما «يعاني» منه هو:
- «لاحظت إنك مش بتنام كويس الأيام دي، وده قلقني عليك».
- «شكلك متضايق ومش مرتاح، تحب نتكلم؟».
- «إيه رأيك نروح لدكتور يساعدك في النوم والتوتر؟».
تجنّب كلمات مثل «اتجننت» أو «عندك مرض نفسي» في البداية؛ فالهدف أن يقبل المساعدة، لا أن يقبل التشخيص.
كيف تتصرف أثناء النوبة الذهانية؟
في النوبة الحادة يكون المريض خائفًا ومشتتًا، وأي ضغط إضافي قد يحول الخوف إلى غضب. هذه القواعد الست هي ما تحتاج إلى تذكره:
بدل مناقشة «المؤامرة» قل: «واضح إنك خايف، وأنا هنا معاك».
الجدال يزيد التمسك بالفكرة، والموافقة تؤكدها. يكفي أن تقول إنك لا ترى ما يراه.
أطفئ التلفاز، وقلل الزوار والضوضاء والإضاءة القوية.
سؤال واحد في كل مرة، وصوت منخفض، ووقت كافٍ للرد.
لا تلمسه فجأة ولا تقف بينه وبين الباب، ولا تحاصره في غرفة.
أبعد الأدوات الحادة بهدوء، وعند أي تهديد اتصل بالإسعاف ١٢٣.

وتشير NIMH إلى أن الشخص في النوبة الذهانية قد يتصرف أحيانًا بطريقة غير متوقعة، وقد يؤذي نفسه أو يصبح مهددًا لغيره، وأن خطر العنف والانتحار ينخفض مع العلاج. ولهذا فالهدف من الهدوء ليس تأجيل الطبيب، بل الوصول إليه بأقل صدام ممكن.
كيف تقنع مريض الذهان بالذهاب إلى الطبيب؟
توصي NHS بمراجعة الطبيب فورًا عند ظهور أعراض الذهان، لأن العلاج المبكر أكثر فاعلية. وإذا كنت قلقًا على شخص آخر، فيمكنك أن تتواصل مع طبيبه بنفسك، أو أن تصطحبه إلى أقرب طوارئ إن وافق، أو أن تطلب الإسعاف إذا كانت الأعراض شديدة وتعرضه للخطر.
- اربط الزيارة بما يزعجه هو: الأرق، أو الإرهاق، أو الخوف الذي يعيشه، لا «الجنون» الذي يراه الآخرون.
- اعرض اختيارًا لا أمرًا: «تحب نروح النهارده ولا بكره الصبح؟».
- اصطحب شخصًا يثق به: صديق قريب أو قريب هادئ قد ينجح حيث يفشل الأب أو الأم.
- لا تخدعه: أخذه «في مشوار» ثم تركه في المستشفى يهدم الثقة التي ستحتاجها لاحقًا.
ويمكن للأسرة أن تبدأ الاستشارة وحدها لتتعلم كيف تقنعه، كما يشرح دليل إقناع المريض بالعلاج. وحين يجتمع الرفض مع خطر جدي، ينظم القانون المصري الدخول دون موافقة المريض، ونشرح ذلك في العلاج غير الإرادي.
ماذا لو كان الذهان بعد تعاطي المخدرات؟
تذكر NHS تعاطي المخدرات وإدمان الكحول ضمن ما قد يثير نوبة الذهان، وتنبه إلى أن من مروا بالذهان أكثر عرضة لمشكلات التعاطي، وأن المواد قد تزيد الأعراض سوءًا. ومن أشهر ما نراه في مصر نوبات بعد الشابو أو الحشيش عالي التركيز.
- لا تفتح موضوع التعاطي وهو في النوبة؛ فالمواجهة الآن تزيد الهياج.
- أخبر الطبيب بصراحة بكل ما تعرفه عن المواد التي تعاطاها؛ فهذا يغير التقييم والعلاج.
- التشنج أو فقدان الوعي أو الحرارة الشديدة أو صعوبة التنفس طوارئ تستدعي الإسعاف ١٢٣ فورًا.
وتفاصيل هذا النوع وكيف يختلف عن غيره في صفحة الذهان الناتج عن المخدرات.
بعد انتهاء النوبة: أسابيع يحتاج فيها إلى صبر
كثير من الأسر تظن أن الأزمة انتهت بمجرد اختفاء الهلاوس، ثم تفاجأ بابن هادئ أكثر من اللازم، ينام كثيرًا، ويفكر ببطء، ويبدو حزينًا. هذا شائع بعد النوبة، وقد يرتبط بالمرض نفسه أو بالأدوية في بدايتها، ويستحق إخبار الطبيب لا اللوم.
وهناك ما يستحق الانتباه بجدية: فقد جمعت مراجعة منهجية نشرتها مجلة Schizophrenia Research عام ٢٠١٨ نتائج ١٣ دراسة شملت ٣٠٠٢ مريض، ووجدت أن ظهور أعراض الاكتئاب خلال النوبة الذهانية الأولى ارتبط بارتفاع خطر السلوك الانتحاري لاحقًا. لذلك لا تتعامل مع الحزن بعد النوبة على أنه «دلع»، وراجع صفحة الأفكار الانتحارية لتعرف كيف تسأل وتتصرف.
- عودة تدريجية إلى الدراسة أو العمل، بساعات أقل في البداية.
- مهام صغيرة يومية يستطيع إنجازها، ومدح لكل خطوة.
- مواعيد ثابتة للنوم والوجبات والدواء.
- حديث صريح مع الطبيب عن النعاس أو زيادة الوزن أو أي أثر جانبي يضايقه.
كيف تمنع النوبة التالية؟
تقول NIMH إن بعض من يتلقون العلاج مبكرًا لا يمرون بنوبة أخرى أبدًا، وإن التعافي لدى آخرين يعني حياة منتجة حتى لو عادت الأعراض أحيانًا. وتنبه NHS إلى عدم إيقاف الأدوية الموصوفة فجأة لأن ذلك قد يعيد الأعراض. أما قرار الاستمرار أو التخفيف التدريجي فيعود للطبيب وحده، ولا تبدأ أو توقف أي دواء دون طبيب. وتعرف على الخيارات في علاج الذهان.
اكتبوا مع المريض وهو مستقر قائمة بعلاماته الخاصة التي سبقت النوبة، كالسهر أو العزلة أو الشك، واتفقوا على ما تفعلونه إذا عادت: اتصال بالطبيب خلال أيام، لا انتظار حتى تكتمل النوبة. والابتعاد عن المخدرات والكحول جزء أساسي من هذه الخطة.
الأسرة شريك في العلاج، ومن يرعى الأسرة؟
توصي الإرشادات البريطانية NICE بعرض التدخل الأسري على أسر مرضى الذهان، وتشير الأبحاث منذ عقود إلى أن أجواء النقد الزائد والانفعال داخل البيت ترتبط بالانتكاس؛ إذ خلص تحليل جامع لـ٢٧ دراسة نشرته مجلة Archives of General Psychiatry عام ١٩٩٨ إلى أن هذه الأجواء مؤشر قوي على الانتكاس. وهذا لا يعني أن الأسرة سبب المرض، بل أنها قادرة على حماية مساره.
ولا تنسَ نفسك: تقاسموا المسؤولية، وخذوا فترات راحة، واطلبوا الدعم. ويقدم برنامج الأسرة في إرادة جلسات للفهم والتواصل، مع استشارة أولى مجانية وسرية، وإقامة علاجية للرجال في المستشفى النفسي حين تكون النوبة شديدة أو مصحوبة بتعاطٍ.
نوبة ذهان حادة أو خطر على النفس أو الغير؟ اطلب المساعدة الآن
- أصوات تأمره بإيذاء نفسه أو غيره، أو تصرّف بناءً عليها
- هياج شديد أو تهديد لشخص يظن أنه يتآمر عليه
- رفض الأكل والشرب أيامًا أو إهمال يهدد صحته
- حديث عن الموت أو الانتحار، أو توديع الأهل
- تشوش وحرارة وتيبس بعد تعاطٍ أو بعد بدء دواء جديد
تكلم بهدوء وبجمل قصيرة، ولا تجادله في أفكاره، وامنحه مساحة ولا تحاصره. أبعد الأدوات الحادة والأدوية بهدوء دون مواجهة. اتصل بالإسعاف على ١٢٣ أو اذهب إلى أقرب طوارئ، وإذا تحدث عن الموت فلا تتركه وحده، وتواصل مع خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨ على مدار الساعة.
الإسعاف ١٢٣ خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨