هل الفصام هو انفصام الشخصية؟
«ابن عمي عنده انفصام في الشخصية». جملة نسمعها كثيرًا في مصر، والمقصود بها غالبًا أنه مريض فصام. لكن الطب يقول شيئًا آخر: الفصام ليس انفصامًا في الشخصية، ومريض الفصام لا يتحول إلى شخص آخر باسم مختلف وذكريات مختلفة.
تقول هيئة الخدمات الصحية البريطانية NHS بوضوح إن مرضى الفصام ليس لديهم انفصام في الشخصية، وإن الفصام لا يجعل صاحبه عنيفًا عادة. أما «انفصام الشخصية» بمعناه الحرفي، أي وجود أكثر من هوية داخل الشخص، فهو اسم قديم لاضطراب مختلف تمامًا: يذكر مستشفى كليفلاند كلينك أن اضطراب الهوية الانشقاقي كان يُعرف سابقًا باسم «اضطراب الشخصية المتعددة» و«اضطراب الشخصية المنقسمة».
من أين جاء هذا الخلط؟
صاغ الطبيب النفسي السويسري أويجن بلويلر مصطلح «الفصام» في بداية القرن العشرين، كما توضح مراجعة نشرتها مجلة Dialogues in Clinical Neuroscience عام ٢٠١٥. والكلمة مركبة من مقطعين يونانيين يعنيان «انشقاق» و«العقل»، وكان المقصود بها انفصال وظائف العقل بعضها عن بعض، كالتفكير والمشاعر والسلوك، لا انقسام الإنسان إلى شخصيات.
لكن المعنى الحرفي للكلمة ترك أثرًا طويلًا. فمراجعة حديثة نشرتها مجلة Current Opinion in Psychiatry عام ٢٠٢٥ عن الجدل حول تغيير اسم الفصام تذكر أن المصطلح يوحي خطأً بوجود «انقسام»، وأن ذلك يسهم في المفاهيم الشائعة الخاطئة وفي الوصمة. وتشير المراجعة نفسها إلى أن تغيير اسم «اضطراب الشخصية المتعددة» إلى «اضطراب الهوية الانشقاقي» تم دون أن يعطل الرعاية. وفي العربية زاد الأمر تعقيدًا حين ترجم البعض المرض باسم «انفصام الشخصية»، فالتصقت التسمية الخاطئة به.
ما هو الفصام فعلًا؟
الفصام بحسب NHS حالة نفسية طويلة الأمد تسبب أعراضًا مثل: الهلاوس كسماع أو رؤية ما لا يوجد، والضلالات أي معتقدات غير مبنية على الواقع، وتشوش الأفكار والكلام، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، وإهمال العناية بالنفس، وتجنب الناس، والإحساس بالانفصال عن المشاعر. وتجد تفاصيل الأعراض في أعراض الفصام.
أي أن «الانقسام» في الفصام، إن جاز التعبير، هو انقسام بين العقل والواقع: الشخص يبقى هو نفسه بذاكرته واسمه وتاريخه، لكن إدراكه لما حوله يضطرب.
ما هو اضطراب الهوية الانشقاقي (تعدد الشخصيات)؟
تصف NHS اضطراب الهوية الانشقاقي بأن صاحبه قد يشعر بعدم اليقين بشأن هويته، وقد يشعر بوجود هويات أخرى لكل منها اسمها وصوتها وتاريخها الشخصي وطباعها، وأن عرضيه الأساسيين هما فجوات في الذاكرة عن أحداث يومية ومعلومات شخصية، ووجود عدة هويات متميزة. ويذكر كليفلاند كلينك أن أسبابه ترتبط غالبًا بالصدمات والإساءة في الطفولة، كوسيلة للابتعاد النفسي عن الصدمة.
وهو اضطراب غير شائع؛ إذ يذكر كليفلاند كلينك أن دراسة أمريكية صغيرة قدّرت انتشاره بنحو ١٫٥٪، مع اختلاف التقديرات بحسب المعايير التشخيصية. وفي المقابل تقدّر منظمة الصحة العالمية أن الفصام يصيب نحو شخص من كل ٣٠٠ حول العالم.
ما الفرق بين الفصام واضطراب الهوية الانشقاقي؟
| وجه المقارنة | الفصام | اضطراب الهوية الانشقاقي |
|---|---|---|
| جوهر المشكلة | اضطراب في إدراك الواقع والتفكير | انقسام في الهوية والذاكرة |
| العرَض الأبرز | هلاوس وضلالات وفتور وانسحاب | هويتان أو أكثر وفجوات متكررة في الذاكرة |
| الهوية | يبقى الشخص بهوية واحدة | هويات متعددة لكل منها اسم وطباع |
| الأسباب الأقوى | تفاعل بين الوراثة وتطور الدماغ والبيئة | صدمات وإساءة متكررة في الطفولة غالبًا |
| العلاج الأساسي | مضادات الذهان مع علاج نفسي وتأهيل | علاج نفسي يعالج الصدمة، مع أدوية للأعراض المصاحبة |

وللمزيد عن الاضطراب الثاني وأسبابه وعلاجه، راجع دليل تعدد الشخصيات.
لماذا يحتاج التمييز إلى طبيب نفسي متمرس؟
لأن الصورة ليست دائمًا واضحة كما في الجدول. فالمصاب باضطراب الهوية الانشقاقي قد يصف هويات أخرى «بأصواتها»، كما تذكر NHS، وقد يُفهم ذلك على أنه هلاوس سمعية. كما تذكر NHS أن الاضطرابات الانشقاقية قد يصاحبها اكتئاب وقلق ونوبات هلع وتقلبات مزاج وإيذاء للنفس. وفي المقابل قد يشعر مريض الفصام بالانفصال عن مشاعره، فيبدو «غريبًا عن نفسه».
ولهذا لا يُبنى التشخيص على جملة واحدة أو مشهد واحد، بل على مقابلة مفصلة، وتاريخ الطفولة والصدمات، ونمط الأعراض عبر الوقت، واستبعاد المخدرات والأسباب العضوية. وتوصي NHS بمراجعة الطبيب في أقرب وقت عند ظهور أعراض الفصام، لأن العلاج المبكر أفضل.
كيف يضر هذا الخلط بالمرضى؟
- يرسخ صورة «الشخص الخطير المتقلب» التي تروجها الأفلام، بينما تؤكد NHS أن الفصام لا يجعل صاحبه عنيفًا عادة.
- يؤخر طلب العلاج: فالأسرة قد تنتظر «شخصية ثانية» لا تأتي، وتتجاهل الهلاوس والانسحاب.
- يزيد الوصمة: وتذكر منظمة الصحة العالمية أن الوصمة والتمييز وانتهاك حقوق مرضى الفصام شائعة.
- يربك المريض نفسه: فيظن أنه «سيتحول» إلى شخص آخر، فيخاف من تشخيصه أكثر مما يجب.
ماذا تفعل إذا شككت في أي منهما؟
لا تحاول التشخيص بنفسك من مقطع على الإنترنت. لاحظ ما يحدث بالتفصيل واكتبه: الأصوات، والأفكار الغريبة، وفجوات الذاكرة، والتغير في النوم والعمل، وأي تعاطٍ للمخدرات. ثم اعرض ذلك على طبيب نفسي. وإذا وُجد خطر على النفس أو الغير فاتصل بالإسعاف ١٢٣.
وفي إرادة يمكنك الحصول على استشارة أولى مجانية وسرية لتقييم الحالة، مع إقامة علاجية للرجال في المستشفى النفسي عند الحاجة، ومتابعة خارجية بعدها. وتعرف على الخيارات في علاج الفصام.
نوبة ذهان حادة أو أفكار انتحارية؟ اطلب المساعدة الآن
- أصوات تأمره بإيذاء نفسه أو غيره
- هياج شديد أو تهديد لمن حوله بسبب شك أو خوف
- فجوات ذاكرة مع وجود الشخص في مكان خطر دون أن يعرف كيف وصل إليه
- حديث عن الموت أو الانتحار، أو إيذاء للنفس
- رفض الأكل والشرب أو إهمال شديد يهدد صحته
تحدث بهدوء وبجمل قصيرة، ولا تجادله ولا تسخر مما يقوله، وأبعد الأدوات الحادة والأدوية دون مواجهة. اتصل بالإسعاف ١٢٣ أو اذهب إلى أقرب طوارئ إذا كان الخطر وشيكًا، وإذا تحدث عن الموت فلا تتركه وحده، وتواصل مع خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨ على مدار الساعة.
الإسعاف ١٢٣ خط الدعم النفسي ١٦٣٢٨